إيران، في ظل لحظة إقليمية حاضرة تتغير فيها موازين القوى، تتصرف بلا ذاكرة إستراتيجية، وترتجل تصرفاتها في الميدان بشكل عبثي، حتى وإن بدت ظاهريًا أنها تتحرك وفق «مشروع» مكتمل الأركان، وسبب هذا الارتجال أنها عالقة بين جغرافيا قاسية، وهوية داخلية هشة، وطموح خارجي متضخم. وكلما طال الارتجال ارتفع ثمنه على الجميع، والمعادلة الفاعلة اليوم تتطلب ردعًا إقليميًا صلبًا، ومراجعة جادة لمسار تفاوضي لاحق – أيًا كان الطرف من إيران – يضع أمن الخليج فوق أي اعتبار.
إيران، تاريخيًا وسياسيًا، ليست دولة يتغير جوهرها بتغير النخب الحاكمة، سواء كان الحاكم شاهًا، أو مرشدًا ثوريًا، أو حتى سلطة ذات طابع علماني في المستقبل؛ إذ تبقى محددات الجغرافيا والأمن القومي عاملًا قهريًا ثابتًا يوجه حركة الدولة، ويغذي نزوعها الدائم إلى التمدد، والبحث عن «عمق» خارج حدودها، كي تحمي نفسها من السقوط. هذا الإحساس المزمن بالتهديد جعلها تدور حول فكرة التوسع والنفوذ أكثر من التنمية والاستقرار الداخلي.
إلى جانب ذلك، فإيران ليست شعبًا واحدًا متجانسًا، بل فسيفساء من القوميات والطوائف، وهذا التنوع تُظهره الدراسات على أنه مصدر توتر بنيوي في الهوية الوطنية، يجعل أي اهتزاز في الدولة المركزية كفيلًا بإيقاظ نزعات الانفصال، ويحول مسألة الأمن القومي إلى هاجس وجودي دائم لدى الإدارة الإيرانية.
في زمن الشاه، تموضعت إيران كقوة إقليمية فاعلة في الخليج وبلاد الشام، ومدت جسور نفوذ إلى العراق ولبنان من خلال العلاقات مع الأكراد هناك، ومع النخب الشيعية في لبنان قبل الثورة، كما في حالة إرسال موسى الصدر إلى بيروت بصفته مبعوثًا رسميًا من طهران. وذلك يشي بأن فكرة التغلغل في البنى الطائفية والاجتماعية في المشرق سابقة على «نظريات تصدير الثورة»، وأن جمهورية الملالي ورثت أدوات قائمة وطورتها بدل أن تبتكرها من الصفر.
لكن الخطأ البنيوي الأكبر للنظام الإيراني كان تحويل «تصدير الثورة» من فكرة أيديولوجية إلى أداة مركزية في سياسة الدولة، مكتوبة في الدستور، ومترجمة إلى شبكة من الوكلاء والميليشيات، وهو ما رسخ صورة إيران كدولة تمدد لا دولة تنمية، وجعل نفوذها الإقليمي مرتبطًا ببنى هشة يمكن أن تسقط بسقوط نظام حليف أو مقتل زعيم وكيل، كما برز أخيرًا في حالة حزب الله ولبنان.
وهاجس السقوط يلاحق النظام منذ حربه مع العراق، مرورًا بسياسة «الضغط الأقصى» الأمريكية، وصولًا إلى العقوبات وعزلة ما بعد الاحتجاجات الداخلية. هذا الشعور بالمطاردة يدفع طهران إلى بناء نفوذ هجومي بدل الاكتفاء بسياسات دفاعية؛ فتتحول جبهات خارج حدودها إلى خطوط حرب أمامية في عقيدتها الأمنية، لا مجرد أوراق تفاوض ظرفية. لذلك استثمرت في الطائفية لخدمة أهدافها الإستراتيجية، فأعادت تشكيل الخطاب الشيعي سياسيًا وعسكريًا، واستخدمت في الوقت نفسه براجماتية باردة؛ فدعمت حركات سنية مثل حماس وطالبان، لمحاولة تعويض «فجوة الشرعية» التي تعانيها في محيط عربي سني واسع. فقدم النظام الإيراني «محور المقاومة» – أو بمعنى أدق «جبهة المقاومة» كما في التسمية الإيرانية الرسمية – بوصفه عنوانًا لشرعيته الإقليمية، لكنه يدرك أن هذا المحور لا يكتسب وزنه الرمزي إلا إذا ظل مركزه «فلسطين» و«الصراع مع إسرائيل»، لا الدفاع عن أنظمة أو أحزاب مأزومة.
شخصية «الملالي» الحاكمة في طهران، كما ترسمها الدراسات حول بنية النظام، تقوم على مركب من الشعور التاريخي بالمظلومية، مع نزعة للبقاء بأي ثمن: قمع داخلي منهجي، وتوظيف الأزمات لتجديد التماسك، وافتعال صراعات خارجية لصناعة «عدو» يوحد الداخل، ويبرر عسكرة الدولة. هذا «الهوس التاريخي بالاستمرارية» يجعل النظام مستعدًا للاستمرار، ولو لم يبقَ منه إلا رجل واحد، ما دامت أدوات القمع والوكلاء الخارجيون قادرين على حمايته من الانهيار.
ويبقى السؤال حول مآلات الحرب مفتوحًا؛ فالنظام الإيراني، بطبيعته، لن يتوقف إلا بأحد ثلاثة سيناريوهات: إما الاستنزاف الكامل، أو تدخل وساطات للتهدئة، أو اقتناع أمريكا وإسرائيل بتحقيق أهدافهما. وفي حال توقفت الحرب، وانفتحت طاولة مفاوضات جديدة لإيران مع أمريكا، بعد هذه المرحلة، فإنها لن تكون امتدادًا لما قبلها، بل ستكون بطبيعة مختلفة، وأوراق جديدة، وشروط أكثر تعقيدًا.
فالنظام يدرك أن كل مواجهة عسكرية تعيد ترتيب قواعد الاشتباك، وتغير ملامح أي صفقة محتملة حول نفوذه الإقليمي وبرنامجه النووي. لذلك تبدو القيادة الإيرانية حريصة على الاقتراب من حافة الهاوية دون السقوط في مواجهة شاملة قد تذيب الدولة وتنهيها، لكنها في الوقت نفسه تراهن على ترجمة أثمان العدوان على الخليج ومنافذ إمدادات الطاقة إلى موقع تفاوضي أفضل لاحقًا.
وبالنسبة لدول المنطقة، والخليج تحديدًا، تشكل الحرب على إيران رافعة محتملة لتغيير إستراتيجي واسع في الشرق الأوسط، لكن الخطر الأكبر يكمن في أن تتحول مخرجات هذه الحرب إلى ذريعة لوضع مضيق هرمز تحت وصاية دولية، أو لإعادة هندسة المنظمات الإقليمية كجامعة الدول العربية، ومجلس التعاون الخليجي، ومنظمة التعاون الإسلامي، ورابطة العالم الإسلامي، بما يُضعف قدرة الدول الخليجية والعربية على إدارة صراعاتها بنفسها؛ لذا من المهم أن يزداد الإصرار الخليجي على أن أي ترتيبات لما بعد الحرب يجب أن تُبقي مفاتيح الأمن الإقليمي في أيدي دول المنطقة، لا في عواصم القوى الكبرى.
ولا يفوتني أن أشير إلى أنه من اللافت أن جزءًا من النخب العربية – من إعلاميين وأكاديميين وسياسيين – يتبنى السردية الإيرانية بحماسة تفوق الخطاب الرسمي في طهران؛ فيبرر سياساتها، ويُسوق خطاب «المظلومية» و«المقاومة» بلغة قريبة من وجدان المواطن العربي البسيط. هذا الانحياز، الذي ترصده كتابات عدة عن الحرب وطبيعة الدعاية، أسهم في تعويم صورة طهران في بعض الأوساط، على الرغم من أن سياساتها على الأرض أنتجت دولًا مدمرة، ومجتمعات منهكة، وخرائط معلقة على حافة التقسيم. وهذه النخب، من خلال فهمها العميق للعقلية العربية، تسوق تبريرات ومخارج تجمل القبح الإجرامي لعدوان طهران، مما يمهد لانحيازات تضر بالأمن القومي الخليجي والعربي.
إيران اليوم تقف بين جغرافيا تُلزمها بحسابات قاسية، وهوية وطنية هشة، ونظام ثوري مهووس بالبقاء، ومحور من الوكلاء يتعرض للاستنزاف . في مثل هذه البيئة، تصبح كل حرب اختبارًا جديدًا لقدرة طهران على الارتجال تحت النار، من دون تاريخ حقيقي لتقليد «حرب مسؤولة» تحفظ الدولة قبل المشروع.
ومع أن النظام الإيراني أثبت مرارًا قدرته على النجاة من الأزمات، فإن كلفة هذه النجاة تُدفع من رصيد استقرار المنطقة ومن دماء شعوبها، وفي مقدمتهم الشعب الإيراني نفسه، الذي بات عالقًا بين مطرقة نظام يرفض الإصلاح وسندان صراعات إقليمية لا ترحم.