لكن الذي أجزم به هو صعوبة حرب جنوب اليمن من الناحية السياسية، ومن الناحية الشرعية، فهي أصعب ما واجهته المملكة من حروب منذ حرب العاشر من رمضان في أواخر القرن الهجري الماضي.
فحرب الخليج الأولى كان موقف السعودية فيها موقف الداعم لدولة عربية شقيقة، ضد دولة أعجمية عدوة ـ في حينه ـ للإسلام وللسعودية؛ فقد واجهت من أعمالها الإجرامية ما وصل إلى الحرمين الشريفين عدةَ مرات، وعانى المسلمون كلهم من تصرفاتها الهوجاء التي كانت بدايتها هي نهاية السنوات السبع التي أصفها بالسمان في تاريخ العالم العربي الحديث؛ فموقف السعودية كان موقف الداعم للعراق، ولم يكن هذا بمستغرب أبداً، ولا بمستنكر شرعا؛ أما حرب الخليج الثانية فقد كانت دفاعاً عن جار خليجي ضد نظام وافق العالمُ بأسره، مسلمُه وكافرُه، على خوض الحرب ضده مع المملكة العربية السعودية، فضلاً عن عداوته الواضحة للسعودية من أول يوم شن فيه الحرب على الكويت.
وكذلك حرب السعودية ضد الحوثيين، ففضلاً عن عدائهم المذهبي للسعودية، وولائهم المطلق لدولة في ذلك الحين شديدة العداوة للسعودية دينياً وسياسياً حتى قال مرشدهم الهالك: إن بإمكانه الاتفاق مع نظام العراق ولا يمكنه الاتفاق مع النظام السعودي، فقد بادر الحوثي بشن الهجوم على بعض القرى التابعة للمملكة، وكذلك فَهُم كتيبة غير نظامية تشن الهجوم على نظام قائم متحد، وكذلك فإن دول العالم أيدت ما قامت به السعودية ـ ظاهريا على الأقل ـ ضد الحوثيين.
أما حرب السعودية في جنوب اليمن هذه الأيام فهي تختلف عن كل ما سبقها من حروب اختلافاً كبيراً، ولهذا فهي أصعب سياسياً من جميع الحروب التي خاضتها المملكة، وذلك لأمور:
منها: أن الجماعة التي شنت المملكة الحرب لاستنقاذ بلاد جنوب اليمن منهم ليس بينها وبينهم عداء أصلي، فهم عرب، وأهل سنة، ومنهم من ينتمي إلى السلفية، وهذه أمور تجعل الحظر الشرعي للدماء قائماً لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار)، والحقيقة أن هذا أمر تراعيه السعودية دائماً، وتَمَثَّلَ هنا في حرصها الشديد على ألا تذهب الدماء نتيجة القصف الجوي، وقد شهد ببراءة الطيران السعودي من الدماء التي أريقت في المعارك بين الجيش الانتقالي وبين جيش الحضارم عدد من المقاتلين الخصوم في مقاطع بُثَّتْ على وسائل التواصل الاجتماعي، وإن قيل إن شهادة تلك المقاطع لا ترقى إلى اليقين، بحيث نحتج بها للمملكة، فالحجة القاطعة هي أنه لم يتهمها أحد من أهالي القتلى كما لم يتهمها الصحفيون المحايدون، ولم يتهمها الجنود الذين صاحبوا أولئك الذين تعرضوا للقتل، وبذلك يصح الاحتجاج بتلك التسجيلات كشهود عيان؛ وبعد تعرض الأسلحة التي كانت مهربةً إلى الضالع للقصف الجوي صَوَّر أحدُهم الصوت الكثيف والمتتابع للمتفجرات على أنه قصف متواصل، وقال: إن الكثيرين يُقتلون، وهذا وهم أو إيهام، وذلك أن الأسلحة تنفجر تباعاً بعد قصفها وربما كان هذا القصف بقنبلة واحدة، واستهدافُ الأسلحة ليس خطأ أو عيباً أو حراما، إذ كان سوف يُقتلُ بها الكثيرون من أبناء اليمن، فقصفها قصف لوسيلة كانت معدة للإهلاك بل والإفناء.
وخروج المجلس الانتقالي وانفراده بحضرموت وما جاورها خروج عن الصف، ورغم أن محاولات إعادته للصف كانت بالصمت عما يفعل، وبتنازلات كثيرة من جهة مجلس الرئاسة إلا أن كل ذلك لم يجدِ، فكان الخوض العسكري من قوة لها القدرة على الفصل متوجباً.
ومن حججهم: أن الخلاف بين المجلس الرئاسي والمجلس الانتقالي خلاف على السلطة في نهايته، والسلطة على عدن وحضرموت والمهرة وأجزاء أخرى من جنوب اليمن، أي أنه خلاف داخلي، والسعودية تدع الخلافات الداخلية لأهلها حتى تُمس بلادهُا؛ والحقيقة أن هذا هو ما ألجأ السعودية للدخول عسكرياً لحسم النزاع بين الطرفين والضغط حتى وصلوا إلى التحاور من أجل الحل داخل السعودية، وحين يكون النزاع مرشحاً للمساس بالحدود فإن الانتظار حتى تُمَس الحدود غير مقبول، وحين تكون دماء المسلمين مرشحة أيضا للإسالة دون مبرر أو عائد، يكون حسم النزاع أمراً مطلوبا شرعاً وواقعا.
وكون السعودية لم تكن طرفاً في النزاع، فدخولها عسكرياً يثير كثيراً مما يقوله الخصوم، وهؤلاء الخصوم لا يُشيرون في خطابهم إلى الإمارات.
وحين نرجع إلى الإمارات العربية المتحدة وكونها دولةً عربية مسلمة وشقيقة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وكان ينبغي على السعودية الدفاع عنها لا مهاجمتها؛ وهذا الذي ينبغي هو الذي حدث بالفعل، فلم تهاجم السعودية الإمارات ولم تقترب بأسلحتها منها، بل قصفت أسلحةً معدة للدخول في جنوب اليمن لتغذي طرفاً على طرف وربما وَصل بعضها إلى الحوثي وهو عدو السعودية والخليج، بل أقول إنه عدوٌ للإسلام والمسلمين، فتخليص الإمارات من هذا السلاح بالنصح فإن لم يجدِ النصح كان بضرب تلك الأسلحة الفتاكة يُعد أمراً جيداً.
وأيضا فإن اليمن كلها جنوبها وشمالها دولة واحدة حين بدأت مشكلة الحوثيين وحين سقوط علي عبد الله صالح، وحين تدخلت المملكة العربية السعودية لمحاولة إزالة الحوثيين، قبل أن ينكشف الغطاء عنهم، وتحول التدخلات الأممية بين المملكة وبين إتمام القضاء عليهم.
وبذلك تبقى اليمن دولة واحدة حتى تستقر الأوضاع ويصبح لليمن رئيس واحد فاعل في الداخل اليمني، وعندها فالخيار بين الوحدة والانفصال خيار اليمنيين، أما الآن فاليمن في عهدة السعودية، هذا هو الكلام الصحيح الواضح والذي كانت السعودية عليه منذ سنوات وحتى اليوم.
وتدخل دولة الإمارات في الأمر جاء رسمياً مساعدةً للسعودية وليس لها أي صفة بعدت أم قربت غير هذه الصفة، ولذلك فلا بد أن تكون تابعة لها في منهجها أو أن تفارقها؛ فإذا ابتعد المُساعِد عن الخط الذي كان عليه فمن واجب الطرف الآخر أن يعيده إليه أو يرده عما يزعمه من معاونة.
هذا خلاصة ما قامت به الإمارات وما قامت به المملكة العربية السعودية.
نعم أخطأت الإمارات، وبدأ الإعلام يقتصر في نسبة الخطأ على أبو ظبي، وكان خطؤها جسيماً يتمثل في كونه يُلَبي طُموحات الكيان الصهيوني في صناعة طوق ضد المملكة العربية السعودية، ومعرفة هذا الأمر تأتي من عدة مؤشرات تكاد تؤكد هذا الأمر.
لهذا كانت مساعدة السعودية للجنوب في إخراج أبو ظبي منه أمراً ضرورياً ؛ إذ خرجت أبو ظبي عن الدور المسند لها هناك من زمن ليس قصيرا، بذلت فيه أبو ظبي مساعيَ غير نقية من أجل إيجاد أصوات لها داخل المملكة حين تحين الفرصة أو يُحتاج فيها إليهم؛ كما بذلت السعودية أيضا جهداً لإعادة أبو ظبي إلى الجادة، وهذا ما لم يكن.
هذه الأمور تجعل ما تفعله المملكة في اليمن ليس سائغاً وحسب بل هو حاجة أو جهد ضرورة.