ما لفت انتباهي أثناء متابعة العمل لم يكن الشخصية وحدها، بل الملامح التي تحملها الكناني. ففي صفاء الوجه وهدوء النظرة شيء يوقظ في الذاكرة صورة الفنانة المصرية فاتن حمامة
«1931 – 2015». ليس المقصود تشبيهًا بين ممثلتين تنتميان إلى زمنين وتجربتين مختلفتين، لكن بعض الوجوه تحمل أحيانًا ظلالًا من ذاكرة الفن العربي، وكأنها تذكّر المشاهد بروح مدرسة فنية عرفتها الشاشة العربية منذ عقود.
حمامة كانت واحدة من أبرز رموز تلك المدرسة. لم تعتمد في حضورها على المبالغة أو الصخب، بل على البساطة والصدق. كانت قادرة على أن تبني الشخصية عبر التفاصيل الصغيرة: نظرة عابرة، تعبير هادئ، أو صمت قصير يحمل في داخله قدرًا كبيرًا من المعنى. ولهذا بقيت شخصياتها قريبة من وجدان الجمهور، لأن المشاهد كان يشعر بأن ما يراه يشبه الحياة أكثر مما يشبه الأداء المصطنع.
حين تظهر الكناني في دور «عزيزة» تبرز هذه الفكرة في الذهن تلقائيًا. فملامحها الهادئة تمنح الشخصية طابعًا بسيطًا وقريبًا من الواقع. العينان، ونبرة التعبير المتزنة، وطريقة الوقوف أمام الكاميرا كلها عناصر تعطي إحساسًا بوجه يحمل شيئًا من الذاكرة الفنية القديمة، حتى لو كان ذلك مجرد انطباع عابر يخلقه التشابه في الروح لا في التجربة.
هذه المقارنة لا تعني وضع ممثلة شابة في ميزان فني كبير منذ بداياتها. فحمامة خاضت مسيرتها عبر عقود طويلة من العمل والتجربة، وأصبحت مع الزمن واحدة من أهم أيقونات الدراما العربية. لكن الفن بطبيعته ينهض على تراكم الأجيال؛ فكل جيل يترك أثرا، ثم تأتي وجوه جديدة تحمل ملامح مختلفة لكنها تبقي شيئًا من روح ذلك الإرث.
من هذا المنظور يمكن النظر إلى حضور لمى الكناني بوصفه بداية تجربة تتشكل ملامحها مع الوقت. فالممثل في بداياته لا يُقاس بعدد الأعمال التي شارك فيها، بل بقدرته على أن يلفت الانتباه ويصنع علاقة أولى مع الجمهور. وشخصية «عزيزة» حققت هذا؛ إذ نجحت في جذب المشاهد داخل العمل، ليتذكرها بعد انتهاء الحلقة.
الدراما السعودية في السنوات الأخيرة بدأت تفتح مساحات أوسع لوجوه جديدة، وهو ما يمنح الساحة الفنية حيوية وتنوعًا. ومع ظهور هذه الأسماء الشابة تتجدد أيضًا ذاكرة المشاهد، إذ يجد نفسه أحيانًا يستعيد وجوها من تاريخ الشاشة العربية عندما يرى ملامح أو تعبيرات تذكّره بمرحلة سابقة.
ربما كان هذا هو أجمل ما يفعله الفن. فهو لا يعيد الماضي حرفيًا، لكنه يترك بين الحين والآخر إشارات خفيفة إلى ما كان يومًا جزءًا من ذاكرة المشاهدين. وفي ملامح لمى الكناني، كما ظهرت في «عزيزة»، شيء من تلك الإشارة التي تذكّرنا بأن الشاشة العربية ما تزال قادرة على أن تقدم وجوهًا جديدة تحمل صدىً بعيدًا من روح الفن القديم، وتمنحه حياة أخرى في زمن مختلف.