لا يُعرف عن الطبري أنَّه كان قاضيًا، ولم تُوضِّح الحكاية ما حجة المدّعي الشرعية؟ اكتفت فقط بحجةٍ لا تُلامس المشكلة في ظاهر الأمر، فما دام أن المُدَّعي يُقر بأنَّ المدعى عليه هو مالك الأرض فلماذا نزع الطبري ملكيتها منه والعرب -في أدبيّاتهم- يُقرون التملكَ ويورّثونه؟ هذه الحكاية من أغرب القضايا فهي مكتوبة كاللغز، والطبري -إذن- من أغرب القضاة، لكن بما أنه مفسر في المقام الأول فإني انتبهتُ إلى أنَّ الآيةَ القرآنية «مالك يوم الدين» قُرئت بروايتين، إحداهما «مالك» والأخرى: «مَلِك يوم الدين»، وهذا جعلني أربط بين هاتين القراءتين وكون الطبري مفسّرًا للقرآن، وبين إسقاط ذلك على أحكامه القضائية. والسؤال: إذا كانت الآية جاءت بالروايتين فهل يمكن أن يكون مالك الأرض هو ملكها، وملك الأرض هو مالكها؟ العرب تُقول المُلك بضم الميم وتقول المِلك بكسرها، وتُحيل إلى الأولى كلمةَ «مَلِك»، وإلى الأخرى لفظة «مالك»، وعليها أقوال المفسرين في الفرق بين القراءتين، لكن هذه لا تحلّ لغز محكمة الطبري إلا بأنَّ نعود إلى سؤال: كيف يفهم العرب كلمة (مَلِك) تحديدا؟ والمدهش هنا أنَّ الطبري نفسه أورد مقولة غريبة في ظاهرها مألوفة في باطنها هي أنَّ المَلك من المُلك (مشتق)، وأنَّ المالك من المِلك (مأخوذ)، ففرَّق بين الاشتقاق والأخذ، وهذه -والله- فريدة من فرائد الطبري، لأنَّ أكثر اللغويين يقولون إنَّ اشتقاق الحرف من الحرف يعني أخذه منه، لكنَّ الطبريَّ يُفرق بينهما، فلعلَّ هذا الفرق يحل لغز محكمته، إذ الاشتقاق والانشقاق شيء واحد كما في قول القرآن: «وانشق القمر»، وهذا يعني أنَّ المشقوقَ تقسّم، كل جزء منه مفتقر إلى الآخر ما عدا أعرف المعارف وهو الله، أما الأخذ فلا يلزم منه الانقسام ولا الافتقار، إذ أخذ الشيء هو حيازته في قبضة اليد فحسب، لهذا ناسبه أن يتعلق بالمالك وليس بالملك،
ومن اللطائف العربية أنَّ القرآن خصَّ الإنسان بقول: «ملك الناس»، ولعلَّ السببَ أنَّ الإنسانَ مشتقٌ من روح الله كما جاء في القرآن: «ونفخت فيه من روحي»، أما الطيور وسائر الحيوانات فمأخوذة من الخالق وليست مشتقة. إذن الاشتقاق متعلق بالملك وليس المالك، ومنها قولهم في السياسة: «فلان شقَّ عصا الطاعة»، لأنَّ البيعة جعلت المحكوم والحاكم مشتقان من بعضهما، وهذا فهم من فهوم العرب لكلمة ملك، إذ سبق لهم استخدامها على طريقة كسرى وقيصر، ولكن بلفظ (تُبَّع) ويعنون به ملوك حِمْيَر، وحمير من العرب، ومع ذلك عدها العربُ ملكية غير عربية، حين أطلقوا لفظ (تبّع) عليهم في مقابل قريش كما جاء في القرآن «أهم خير أم قوم تبع»، وهذه التسمية من أخبار العرب الأصيلة، لأنَّ النقوش السبئية لا تذكر اسم (تُبّع) أبدًا، بل إنها تشير إلى أنَّ لغة التُبعيّين حميريةٌ جنوبية قديمة مختلفة جدًا عن لغة قريش، اللغةِ التي سيتبناها الإسلام بوصفها استقلالا حقيقيًا عن الأمم الأخرى، واللافت أنَّ لفظة (تُبَّع) مأخوذة من التبعيّة وعدم الاستقلال، فالتبع -في أصله- هو الظل لأنه يتبع الشمس؛ ومن هنا استخدم العرب لفظَ ملوك الحيرة بتبعيّة فارسية، والغساسنة بتبعيّة رومية، وهكذا حتى انفلق معنى للملك -عند العرب- خالصًا من شوائب التبعية، وهو كبير القوم الذي أُعطي مقاليد الحكم بالبيعة، ولم تُطلق العرب لفظ ملك -بهذا المعنى- على مَن سَبق معاوية بن أبي سفيان إلا للتفريق بين مرحلتين مرحلة كان فيها المجتمع العربي متلبسًا بآثار الوحي ومضطربا بحروبه، ومرحلة صفا فيها أمر الإمامة والمُلك القائم على بناء الدولة المستظلة بالقرآن والسنة المُختارة. ومن الملاحظ أنَّ بين البيعة والتبعية تشابه جذري، إلا أنَّه في لفظ التبعية زيادة في الحروف دلّت على مبايعة دون تراض من خارج المكان وخارج النفس، أما البيعة فهي مبايعة بالتراضي من أعماق المكان ومن داخل النفس.
إذن المُدَّعى عليه لمَّا قال: «أنا ملك الأرض» كان يُحيل على دلالة غير عربية، وباطلة في تعاقدات العرب، لهذا أنكر مُلكيته المدعي، لكن يظل الجزء الآخر من السُؤال قائمًا وهو: «لماذا نزع الطبري منه مِلكية الأرض مع أنَّ المدعي يُقر له فيها؟» هنا مربط فرسِ المقالة وهو أنَّ الانتفاع بالأرض-في الأصل- لمالكها المباشر إلا أنه لو تصرف بها على غير الطريقة العربية فسوف تُنتزع منه؛ لهذا فالطبري انصبَّ حكمه على معنى بعيد الغور، وهو أنَّ المدعى عليه كان يتصرف في الأرض كما يتصرف ملوك غير العرب في الأرض فاستحقت الانتزاع.
التفاتة:
لم يستطع مجاهد بن جبر أن يُفسّر (الملك) في قول: «إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا» إلا بأمير الجيش الذي عُقِدت له البيعة، ولكن لأنَّ بني إسرائيل لم يرضوا به كما قال القرآن: «ونحن أحق بالملك منه»، فإنه اضطر لجعل البيعة من السماء.