غير أن واقعنا العربي اليوم يبدو أفقر من الطبيعي والمفترض والمرجو من حيث عدد المفكرين، ومع ذلك فهم موجودون.
إلا أن الإشكالية لا تكمن فقط في قلتهم، بل في أن هذه القلة نفسها لا تتشكل حول أفكارها مدارس فكرية قادرة على بناء تيار مستدام.
وبناءً على ذلك، كنتُ قد شرعتُ في كتابة مقال عن هذا الموضوع، إلا أنني وجدتُ، أثناء ذلك، أن هناك بذرة لتيار أو لمدرسة فكرية آخذة في التشكل، وهي ما يُعرف بمدرسة محمد شحرور.
وعلى الرغم من أنها ليست من النوع الذي كنتُ أتوقع أن تتشكل حوله مدرسة، إلا أنها تبدو، في الواقع، المدرسة المعاصرة الوحيدة تقريبًا التي تبلور فكر أحد المفكرين المعاصرين في إطار أقرب إلى التشكّل المدرسي.
ويبدو أن الدور الأكبر في إبراز هذا التيار وربط أتباعه بعضهم ببعض، ليكون تيارًا يطوّر أفكاره ويصقلها، يقوم به مركز مجتمع للدراسات الثقافية والتاريخية، كما تلعب منصة مجتمع التابعة للمركز على اليوتيوب دورًا كبيرًا في هذا الجانب، إذ نجحت في الترويج لأفكار هذا التيار وربط المؤمنين به.
ويقوم أحد أبرز مقدمي المنصة بمحاورة شخصيات، في الغالب أكاديمية، يختارهم بعناية، بحيث يكونون إما متبنين لفكر الدكتور محمد شحرور، أو حاملين لأفكار تعارض المدارس التراثية التي عارضها شحرور.
وهذا المقدم ليس مجرد محاور عادي، بل يعبّر عن عدد من أفكار هذا التيار في أغلب اللقاءات على الرغم من أنه المُضيف، كما يستنطق ضيوفه بالأفكار التي هو مقتنع بها، مثل ما يسمونه «آلية اللسان العربي المبين»، التي يُدّعى أنها آلية دقيقة وقطعية في تفسير القرآن الكريم.
وقد استمعتُ مرةً إلى أحد أبرز ضيوف المنصة الدائمين وهو يفسّر الآية الكريمة:
﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾
وهي واردة في سياق خطاب هود عليه السلام لقومه عاد.
فطبّق هذه الآلية وشرح الجذر (ص ن ع)، وفسّر كلمة «مصانع» على أنها factories، بينما الآية واضحة أنها تعني «الحصون» أو «القلاع». وهي كلمة عربية يمنية أصيلة، موجودة في نقوش المسند، ولا نزال نستخدمها في لهجتنا في اليمن إلى اليوم.
وقد فسرها الكلبي بهذا المعنى، كما فسرها ابن عباس بـ«البروج»، وهو معنى مقارب، بل إن الفعل «تصنّع» في العربية الجنوبية القديمة يدل على الاحتماء والتحصّن.
غير أن هذا المفسر، ووفق هذه الآلية، ذهب إلى أن في الآية ثلاث سلوكيات انحرافية، وذكر في السلوك الثاني بخصوص كلمة «مصانع» ما نصه:
«أمّا السلوك الثاني، فهو اتخاذ المصانع بغرض الخلود، ومعلوم أنّ أحدًا لن يخلد، ولكنّه هوس الإنسان الذي لا ينفك يلازمه، ولك أن تتخيّل ما الذي يتولّد عن جعل الخلود هدفًا للصناعة، وتستحضر صورة مصانع أسلحة الدمار الشامل، ومختبرات الأسلحة الجرثومية البيولوجية، وغيرها من أشكال الصناعات الزائفة والضارّة التي ليس لها سوى همّ واحد هو خلود أصحابها، ولو كان ذلك على حساب صحة البشرية، ولو أدّى إلى فنائها».
ومع غرابة ما ذهب إليه هذا المفسر وآليته، إلا أنه، ومن باب الإنصاف، فإن بعض قراءاتهم قد تكون أحيانًا صائبة أو تستحق النظر والنقاش.
والمنصة، على الرغم من اهتمامها بالدرجة الأولى بفكر شحرور، إلا أنها تدعم أيضًا أطروحة «جغرافيا التوراة في اليمن»، أي نقل مواضع الرواية التوراتية من فلسطين وبلاد الشام ومصر إلى اليمن، وهي أطروحة اشتهر بالترويج لها الدكتور فاضل الربيعي، وهو بالمناسبة كان رئيس مجلس أمناء مركز مجتمع، ومعه في مجلس الأمناء أدونيس وشخصيات معروفة أخرى.
وقد تكون هذه الأطروحة ليست جزءًا مباشرًا من مدرسة شحرور، لكنها تتقاطع معها في الرغبة الجامحة لنقض التراث السائد والتشكيك في البديهيات الموروثة.
أما مدرسة الدكتور شحرور نفسها، فإذا كان لا بد من وصف مختصر جدًا لها، فهي تنطلق من نتيجة حداثية مُسبقة، ثم تبحث لها عن تخريج لغوي في النصوص الدينية، وهو عكس المنهج العلمي الذي يبدأ من النص لينتهي إلى النتيجة، بغضّ النظر عمّا ستكون عليه تلك النتيجة. فهي تتخذ من المبادئ الحداثية حقائق جاهزة، وتحاول ليّ أعناق النصوص والمفاهيم الإسلامية حتى تتطابق معها، بطريقة تشبه إلى حد كبير ما يقوم به أصحاب ما يُسمّى بالإعجاز العلمي، الذين يلوون أعناق المعاني لتتوافق مع ما يظنونه علمًا قطعيًا.
وليس العيب في الميل إلى الفكر الحداثي في حد ذاته أو أي فكر آخر، وإنما العيب في المنهجية التي يُدار بها البحث والتأويل.
وعلى العموم، فالصراع الفكري صحي، ولا يسقط ضحية في أي صراع فكري إلا الجهل والخرافات. ووجود مراكز ومنصات فكرية، بحد ذاته، أمر إيجابي.
كما نتمنى أن تتحول مشاريع مفكرين كبار، مثل محمد عابد الجابري، وطه عبدالرحمن، وغيرهما، إلى تيارات بحثية مؤسسية مستدامة.