كان لويس بيلي أحدَ أعلام السياسة والدبلوماسيّة البريطانيّة في القرن التّاسع عشر، التحقَ بالخدمة في صفوف الجيش الهندي، حيث تشرَّب فنونَ الحرب والإدارة، ثمّ انخرطَ في السلك السياسي، فكانت له اليد الطولى في شؤون الهند والخليج. عُيِّن بيلي مقيّمًا سياسيًّا في بلاد الخليج، فنهض بأعباء المنصب، وساسَ الأمورَ بدهاء ورويّة، وكان شديد العناية بمصالح بلاده، لا يغفل عن رصد أحوال الخليج وأُمرائه وقبائله.
نَشر بيلي مقالاتٍ عدّة عن رحلاته إلى بلاد فارس وسواحلها وأفغانستان وبلاد الخليج وسواحلها الشرقيّة والغربيّة، وما عاينه فيها من الأحوال السياسيّة والاجتماعيّة، وما اكتشفه من أوضاعٍ طبيعيّة وجغرافيّة، وذلك في جملة من المجلّات التاريخيّة والجغرافيّة.
قَرأ بيلي مقاله عن أحوال الغوْص في الخليج، أوّلاً في أحد المجالس العلميّة التي انعقدَت في الجمعيّة الجغرافيّة في السادس عشر من فبراير من العام 1866، ثُمّ نَشَرَهُ في مدوَّنات تلك الجمعيّة نفسها في العدد الثامن عشر من عامَيْ 1865 – 1867. ولعلّه من المناسب أنْ نبيّنَ في الآتي جملة من الموضوعات الواردة في مقاله ذلك.
في مغاصات اللّؤلؤ وبيان أحوالها وملكيّتها
يتبيّن من مقالات بيلي أنَّ طائفةً من العُلماء والمؤرّخين والجغرافيّين الكبار في لندن لم يكُن لديهم معرفة دقيقة بشأن مغاصات اللّؤلؤ في بلاد الخليج، ولا في كيفيّة نموِّها وظهورها وطُرق استخراجها. ولمّا سافرَ بيلي إلى لندن خلال إحدى إجازاته، أبدى له عددٌ من السادة من ذوي العِلم اهتمامهم بمعرفة أحوال محاور اللّؤلؤ وأصناف الأصداف البحريّة في بلاد الخليج، فاستوقفه الأمر، إذْ بدا له أنَّ القوم يجهلون الكثير عن هذا الشأن.
ولقد استجابَ بيلي لتلك التساؤلات، وسعى سعيًا حثيثًا إلى جمْعِ ما استطاع من أصداف هذه البلاد باذلًا في ذلك جهده وطاقته، غير أنّه في هذا المقال اقتصر على ذِكر ملاحظاتٍ مُختصَرة حول مغاصات اللّؤلؤ وماهيّة الغوْص على اللّؤلؤ وأخبار مجملة عن مشاركات أهالي هذه البلاد في تلك التجارة الثريّة آنذاك. ولا ريبَ أنّه كَتَبَ كلَّ تلك المعلومات الدقيقة بالارتحال بنفسه إلى أماكن الغوْص، ومُعاينة أعمال الغوْص على اللّؤلؤ.
في ما يتّصل بجغرافيّة مغاصات اللّؤلؤ وامتدادها في هذه الديار، أفاد أنّها تَنتشر متفرّقةً على طول الساحل العربي، ممتدّةً من جنوبي ميناء الكويت في أقصى الشمال حتّى مشارف إمارة رأس الخيمة في الجنوب، فتلك هي المغاصات التي عُرفت بغزارتها ووفرة محصولها وعلوِّ قيمتها في سوق التجارة. وأمّا المغاصات الكائنة بالقرب من جزيرة خرج وسواحل الفُرس، فهي ضئيلة الشأن، إذْ لا تقارب في امتدادها ولا في مردودها ولا في منزلتها التجاريّة نظائرها على الساحل العربي، فتفوَّقت عليها شهرةً وعطاءً، وغدَت مقصدًا لأهل الغوص ومبتغىً لتجّار اللّؤلؤ.
وعن مِلكيّة هذه المصائد أو السيطرة عليها، ذَكَرَ بيلي أنّها تُعَدّ مشاعاً بين قبائل العرب النازلين على سواحل الخليج، بحيث لا يُحظَّر على أحدٍ منهم أنْ يَغوصَ حيث شاءَ من مياه الساحل العربي، ولو كان ذلك في غَير بلاده، فمثلًا، يسوغ لرجلٍ من أهل الكويت أنْ يغوصَ في السواحل القريبة من بلاد البحرين أو رأس الخيمة، كما يسوغ لأهل البحرين وقطر أو رأس الخيمة أنْ يغوصوا في المياه القريبة من الكويت، إذْ لا يُفرض على أهل الساحل بعضهم على بعض أيّ حظرٍ أو قيْد. مُقارَنةٌ بين مغاصات اللّؤلؤ في بلاد الخليج وغيرها
عند مُوازَنة مغاصات اللّؤلؤ المنتشرة في بلاد الخليج بسواها في الهند وسيلان وغيرها، وما يختصُّ به كلٌّ منها من جودة وعطاء، وما يُعين على ظهور أجود أنواع اللّؤلؤ وأغلاها، أَورد بيلي أنَّ أنْفَسَ المغاصات وأغْزَرها عطيّة هي تلك التي تُحيط ببلاد البحرين، ولاسيّما ما كان منها ممتدًّا حول جُزرها، حيث تتفاوَت أعماقُ هذه المواضِع تفاوُتًا كبيرًا، فمنها ما يكون قريبًا من مستوى الماء وقت المدِّ، ومنها ما يَنخفض إلى ثلاث، أو سبع، أو اثنتي عشرة، أو سبع عشرة، بل إلى ثماني عشرة قامة، ويُظَنّ أنَّ هناك مغاصاتٍ أبعد غورا من ذلك، إذ يذهب بعض أهل الخبرة إلى أنَّ مصائد المحار تتوارى في خلجان شبه جزيرة مسندم، حيث يُقدَّر أنَّ عُمقَها يتراوح بين اثنتَيْن وعشرين وخمس وعشرين قامة، إنْ صحَّت الروايات التي تتحدَّث عنها.
ويرى البحّارة وأهل الدراية بشؤون الغوْص أنَّ صفاء اللّؤلؤة وبريقَها مرتبطان بعُمق الماء، فكلّما ازداد غوْر المحار، ازداد لمعانُ الجوهرة وصفاؤها؛ غير أنَّ كمال استدارة اللّؤلؤة لا تَحكمه قاعدةٌ مضبوطة، إذ لم يُهتدَ إلى ضابطٍ لهذا الأمر. وأجوَدُ المغاصات وأكرمُها عطاءً ما كان قاعُهُ مستويًا، مكسوّاً برمالٍ بيضاء ناعمة مستقرّة فوق طبقةٍ من الشعاب المرجانيّة، في مياهٍ صافية نقيّة. أمّا إذا اختلطَ الرملُ بالطين أو بغيره من الموادّ الأرضيّة، فذلك يُفسد اللّؤلؤ ويَمحو بريقَه، فضلًا عن تعجيله بنضوب المحار. وقد نَسَبَ عربُ بلاد البحرين نضوبَ مغاصات سواحل السند وسيلان إلى هذا السبب.
أمّا مغاصاتُ بلاد الخليج، فعلى كثرة ما اجتُني منها منذ قديم الدهر، فقد ظلَّت على غزارتها إلى يوم الناس هذا، ولم تَزَلْ تُخرِج من نفائس اللّؤلؤ ما يَملأ الأسواق، بل شهدَت بعض الأعوام في الآونة الأخيرة مواسم حصاد لم يُرَ لها مثيلٌ في كثرة محصولها وجودته.
ثمّ استطردَ بيلي إلى ما كان يرويه ويشيعه بعضهم من أنَّ أهالي هذه البلاد الخليجيّة يُغَذّون مغاصاتهم في مواسم معيّنة، فأكَّد أنَّ هذا الكلام غير صحيح، إذ لم يُعرف عنهم قَطُّ أنّهم اتَّخذوا تدابير لرعاية المحار أو تكثيره؛ فالمحار إمّا أنْ يكون ملقىً على الرمل غير متّصل بشيء، وإمّا أنْ يكون متشبّثًا بضَعف بمفاصِله في قِطَعِ الطحالب البحريّة أو الشعاب المرجانيّة. وأمّا الغوّاصون، فيَرصدون المحار من قواربهم، مُتطلّعين إلى أعماق المياه الصافية، فإذا أبصروه، هَبطوا لجمْعه في مجموعات، ويَبدأ موسم الغوْص مع اعتدال الربيع في شهر أبريل، ويَمتدّ حتّى نهاية الصيف اللّافح في شهرَيْ أغسطس وسبتمبر.
في تقسيم الأرباح وأحوال الغوّاصين
أَفاض بيلي في الحديث عن عددِ السفن العاملة في صيد اللّؤلؤ، وتفصيل الأرباح وكيفيّة اقتسامها بين أهل هذه الصناعة، فضلاً عن بيان طريقة استخراج اللّؤلؤ من المغاصات. وقدَّر أنَّ ما بين أربعة إلى خمسة آلاف سفينة كانت تجوب سواحل الخليج، يتراوح عددُ الرجال العاملين على كلٍّ منها بين عشرة واثنَيْن وثلاثين، وكان منها نحو ألف وخمسمائة سفينة تُنسب إلى البحرين وحدها.
وأمّا في شأن تقسيم الأرباح، فقد بيَّن أنَّ كلَّ سفينة تعمل وفق عقدِ شراكةٍ بين رجالها، وتُوزَّع مغانمها على عشرة أسهُم، يُخصَّص منها لصاحب السفينة أو النوخذة وربّانها جزءٌ معلوم، ويُعطى الغوّاصون نصيبًا وافرًا، ويُقتطَع للحبّارة/ السيوب حصّةٌ معيّنة، وأمّا الباقي، فيُصرَف على الزاد وما تستلزمه الرحلة من مُؤَن.
وقد أَلمح بيلي إلى حال الغوّاصين في تصرُّفهم بأموالهم، فذكرَ أنَّ بعضهم قد يَظفر بثمرة كدِّه، غير أنَّ الغالب عليهم أنّهم يبقون مدينين لتجّار اللّؤلؤ، وأكثر هؤلاء التجّار هُم من الهنود أو من المُقيمين في مُدن الخليج، الذين يُقدِّمون للغوّاصين سُلفًا نقديّة في موسم الركود، فإذا ما أَقبل الربيع جُهِّزت السفن بالتمر والأرزّ وسائر الأقوات، وأبحرَت إلى المغاصات، ولا تعود إلّا إذا نفدَت المؤن أو حال دون رجوعها طارئٌ من عواصف البحر أو غيرها من العوارض.
في أحوال الغوّاصين ونزاعات السفن
خصَّصَ بيلي مقالاتٍ عدّةً في بيان حقيقة الغوْص على اللّؤلؤ وطرائق استخراجه، فذَكَرَ أنّه طالما شهدَ النّاظر مئاتِ السفن متجمِّعةً فوق المغاصات، وقد اصطفَّ رجالُها للغوْص، حيث تتفاوَت الأعماقُ التي يَغطس إليها الغوّاصون ما بين أربع إلى سبع قامات، وأمّا النزول فإلى خمس عشرة قامة، فهو ضربٌ من المُخاطَرة العظيمة، إذ يُعرِّض النفوسَ للمهالك، وقلَّ مَن ينجو من بأسه.
وأمّا في ما يتعلَّق بطاقم السفينة وأعمالهم، فقد أَفاض في وصف أحوالهم، فقال إنَّ السفينة تشتمل على غوّاصين ومُمسكي حبال، فيَنزل الغوّاص إلى البحر، في حين يظلُّ رفيقُه فوق السفينة قابضًا على الحبل ليرفعَه عند الإشارة. ويتجرّد الغوّاصُ من ثيابه، ثمّ يسدُّ أنفَه بمشبك من قَرن، ويشدُّ الحبلَ حول وسطه، ويُثقِل قَدَمَه بحَجَر، ثمّ يُنزِل قدمَيْه أوّلاً إلى القاع، وما إنْ يَبلغ قرارَه حتّى يَجمع ما استطاعَ من المحار، فإذا فَرَغَ، جَذَبَ الحبلَ إيذانًا بأنْ يُرفَع إلى السطح، فيُبادِر رفيقُه إلى سحبِه مسرعًا، وأمّا الحَجَرُ المثقِل، فيُشَدُّ بحبلٍ آخر، ويُستعاد بعد ذلك. ويَجمع الغوّاص المحار في جرابٍ يُثبّته إلى صدره ووسطه.
محصول اللّؤلؤ وضريبته
خَتَمَ بيلي مقالَه بإيرادِ جملةٍ من المعلومات القيِّمة، فابتَدأ بتقديرِ المحصول السنوي للمغاصات، فذَكَرَ أنَّ ما يَجنيه غوّاصو البحرين من اللّؤلؤ يَربو على مليونَيْ روبيّة، وهو ما يُعادِل مائتَيْ ألف جنيه إسترليني، ومثل ذلك حظُّ غوّاصي سائر سواحل العرب عدا البحرين، فيكون مجموع النّاتج أربعمائة ألف جنيه إسترليني.
ثمَّ تناوَلَ مسألة الضرائب التي يَفرضها الحكّام المحليّون على أهل الغوْص، فبيَّنَ أنَّ كلَّ غوّاص وحبّارٍ يُلزَم بدفْعِ ضريبة سنويّة مقدارها دولار واحد، وقد قُدِّر ما يُجبيه حاكمُ البحرين وحده بنحو خمسين ألف دولار، إذ يُقال إنَّ عدد الغوّاصين والحبّارة في بلاده يقارب خمسين ألفاً، فكان هذا المبلغ أشبه بضريبةٍ تُوازي خمسة في المائة من مجموع الدخل.
ومتى كانت الهند السوقَ الأكبر لصرف اللّآلئ، فقد أَفاض بيلي في ذكْرِ مسالِك التجارة ووجهات التصدير، فذَكَرَ أنَّ معظم اللّآلئ النفيسة تُصدَّر إلى بومباي، حيث بيعَ منها في الآونة الأخيرة بأثمانٍ باهظة إبّان طفرة سوق المال، كما يُرسَل قسمٌ منها إلى بغداد. وقد أَشار إلى أنَّ تجّار بومباي يُؤثرون اللّآلئ ذات الصفرة المستديرة الكاملة، فيما يُفضِّل تجّارُ بغداد البيضاء منها، وأمّا صغار اللّآلئ، فالغالب أنّها تُبعَث إلى بغداد.
لم يَقتصر بيلي في بحثه على هذه الجوانب، بل بسطَ يدَهُ إلى الفحْص العلمي، فجمَعَ عيّناتٍ من أصداف اللّؤلؤ من مغاصات البحرين، وانتخَب معها نماذج من الرمل والشّعب البحريّة والنّباتات المائيّة التي تحفُّها، وقَصَدَ إرسالها إلى إنكلترا لفحْصِها ودراستها، استقصاءً منه لأحوال هذه البيئة. ولم يَقِف عند هذا الحدِّ، بل طَرأ له أنْ يُجري تجربةً بنقْلِ مئاتٍ من المحار من الخليج إلى سيلان، ليَختبرَ إمكان تهْيئة بيئةٍ مُلائمةٍ له هناك، تُمكّنه من إنتاج لؤلؤه من دون خشية من النضوب.
*باحث في تاريخ الهند وجزيرة العرب والخليج
* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.