متابعة / المدى
تتقاطع افتتاحيات الصحف الغربية اليوم عند أزمة مضيق هرمز وتداعياتها، بين قراءة اقتصادية ترى أن المنطقة تعيد رسم خرائط تجارتها بعيداً عن الممر التاريخي، وقراءتين سياسيتين تحذّران من انزلاق الإدارة الأمريكية نحو ضربات قد ترقى إلى جرائم حرب.
“فايننشال تايمز”: نهاية خلل عمره عقود
نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” مقالاً بعنوان “مستقبل التجارة العالمية لن يعتمد على مضيق هرمز”، بقلم رجل الأعمال الإماراتي بدر جعفر، رأى فيه أن المحللين انشغلوا طوال الشهر الماضي بتقدير تبعات أزمة المضيق من تعطّل الملاحة وارتفاع رسوم التأمين وأسعار الوقود، في حين كان يجري في المنطقة تحوّل أعمق سيصمد سواء استمر التصعيد أم لا.
وأوضح جعفر أن “نموذجاً للتجارة والبنية التحتية عمره 50 عاماً” يُعاد رسمه في غضون أسابيع، في انتقال من إدارة الأزمة الراهنة إلى إعادة تصميم الأنظمة التي أوجدتها أصلاً. ولفت إلى أن العالم يعتمد على مضيق عرضه 21 ميلاً بحرياً لعبور نحو ثلث نفطه المنقول بحراً، وخُمس غازه الطبيعي المسال، وثلث مخصّباته الزراعية، ونصف صادراته من الكبريت، واصفاً هذا الاعتماد الهائل بـ”الخلل” الذي ظلّ مسكوتاً عنه لعقود وأن هذا الوضع ينتهي الآن. وأشار الكاتب إلى أن من سمّاهم “مستثمري ما بعد هرمز” يدشّنون اليوم بنية تحتية لتداول تجاري بديل، مبيّناً أن موانئ السعودية على البحر الأحمر وقدراتها في خطوط الإمداد توفّر مساراً بديلاً للطاقة، وأن لدى الإمارات على ساحلها الشرقي موانئ مياه عميقة وخطوط إمداد تربط مصدّري الخليج بالمحيط الهندي، إضافة إلى ميناءَي الدقم وصحار في سلطنة عمان، وكلّها بعيدة عن أزمة المضيق. وأكد أن البضائع تعبر فعلاً هذه المسارات، وفي بعض الحالات عبر حدود كان عبورها يبدو مستحيلاً قبل أشهر قليلة. ونوّه إلى أن الشرق الأوسط يضمّ إرثاً كبيراً غير مُستغل من بنية تحتية أُقيمت خلال أزمات سابقة ولم تُستخدم منذ عقود، تشمل ممرات طرق وسكك حديدية وشبكات طاقة عابرة للحدود وأنظمة مائية تتجاوز نطاق الشبكات القائمة. ورأى أن هذه الأصول قادرة عبر تجدد التعاون على تعزيز ربط المنطقة بالأسواق العالمية، مؤكداً أن أزمة هرمز نجحت فيما فشلت فيه سنوات من المؤتمرات والقمم بتهيئة الظروف لتكامل اقتصادي إقليمي.
“وول ستريت جورنال”: مهلة ترامب وحدود الأهداف المشروعة
وفي افتتاحية لهيئة تحرير صحيفة “وول ستريت جورنال” بعنوان “قائمة أهداف ترامب النهائية في إيران”، أشارت الصحيفة إلى أن أنظار العالم ستتجه إلى البيت الأبيض ليل الثلاثاء عند انتهاء المهلة التي حدّدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإيران كي تفتح مضيق هرمز. وأوضحت أن بإمكان ترامب تمديد المهلة كما فعل سابقاً، غير أنه فصّل في مؤتمر صحفي ما يريده تحديداً وهو “اتفاق يضمن حرية مرور النفط وكل شيء آخر عبر المضيق، وإلّا فسوف تتعرّض كل الجسور وكل شبكات الطاقة في إيران للتدمير بحلول منتصف ليل الغد”. ورأت الصحيفة أن ليل الثلاثاء ليس بعيداً لمعرفة ما ستفضي إليه تهديدات الرئيس الأمريكي، مستدركةً أنه “لا ينبغي أن نتوقع اكتراث النظام الحاكم في إيران بتبعات مثل هذه الضربات الأمريكية على الشعب الإيراني”. وحذّرت من اندلاع “موجة لجوء” حال تنفيذ ترامب تهديداته باستهداف أهداف مدنية في إيران، معتبرة أن استهداف بنية تحتية حيوية دون تمييز تصرّف “خاطئ وغير حكيم”، لما فيه من “معاقبة الشعب الإيراني الذي نحتاجه في صفّنا”، ومؤكدة أن ضرب هذه البنية يُضعف دعم الإيرانيين للحرب داخلياً وخارجياً. واقترحت الصحيفة، بوصفه حلاً وسطاً، التمييز بين أنواع البنية التحتية، ففرّقت بين جسور وشبكات طاقة قد تكون أهدافاً مشروعة وأخرى لا يمكن أن تكون كذلك، معتبرة أن المعيار هو “استخدام تلك الجسور والشبكات عسكرياً”، وإلّا فإن ضربها يمثل عقاباً لا مبرّر له لنحو 90 مليون نسمة.
“الغارديان”: تهديدات ترامب ضعف أخلاقي واستراتيجي
واختُتمت جولة الصحف بافتتاحية لهيئة تحرير صحيفة “الغارديان” البريطانية بعنوان “تهديدات ترامب الكارثية ليست علامة قوة، بل ضعف أخلاقي واستراتيجي”، لفتت فيها إلى أن المادة 52 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف تحظر استهداف الأهداف المدنية، وأن المحكمة الجنائية الدولية أصدرت بمقتضاها مذكرات اعتقال بحق جنرالات ومسؤولين روس مسؤولين عن هجمات استهدفت بنية الطاقة في أوكرانيا.
ونبّهت الصحيفة إلى أن مثل هذه الهجمات التي تُرهب السكان وتُضعف معنوياتهم ترقى إلى أن تكون “جرائم حرب”، مؤكدةً أن ما ينطبق على الحرب الروسية في أوكرانيا ينطبق كذلك على الحرب الأمريكية في إيران، في إشارة إلى تهديدات ترامب بقصف إيران حتى إعادتها إلى العصر الحجري. ورأت أن هذه المبادئ القانونية تستحق التذكير بها في وقت يبدو فيه الرئيس الأمريكي ووزير دفاعه بيت هيغسيث “يهذيان كالمحمومين”، مشيرةً إلى وصف هيغسيث الحرب في إيران بأنها “حملة صليبية في القرن الحادي والعشرين من أجل كسر شوكة غير المؤمنين”، فضلاً عن تهديدات ترامب بـ”تحويل المنطقة إلى جحيم” مستخدماً ألفاظاً نابية. واعتبرت الصحيفة أن هذه اللغة “تسيء إلى صورة الولايات المتحدة التي تستعد للاحتفال بمرور 250 عاماً على إعلان الاستقلال، وتقوّض مصداقيتها عالمياً”، وأن مثل هذه التصرفات لو وقعت في سياق سياسي “أكثر عقلانية” لكانت كفيلة بتهديد ترامب في منصبه والتمهيد لعزله، مشيرةً إلى أنه فطن إلى ذلك فأحاط نفسه بفريق مستشاريه الحالي.