ترجمة: المدى
يرى دبلوماسيون أميركيون سابقون ومحللون أنه مع اقتراب الحرب الروسية-الأوكرانية من ذكراها الرابعة، فإن الصراع يتسم بشكل متزايد بمواقف متصلبة وقيود تترك مجالًا ضئيلًا لتحقيق اختراق تفاوضي.
ويقول الخبراء إن العقبة الرئيسية أمام إحراز تقدم في إنهاء أكبر حرب برية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية لا تكمن في نقص الانخراط الدبلوماسي، بل في عدم استعداد موسكو لإعادة النظر في أهدافها الحربية.
وقال كورت فولكر، الذي شغل منصب الممثل الخاص للولايات المتحدة لأوكرانيا خلال الإدارة الأولى للرئيس دونالد ترامب، إن روسيا “لا تتفاوض بحسن نية، ولا رغبة لديها في إنهاء الحرب في ظل الظروف الحالية”.
وأضاف فولكر في مقابلة مع إذاعة أوروبا الحرة/راديو الحرية: “هذه المفاوضات لن تفضي إلى أي نتيجة”.
ويرى أن إجراء محادثات جادة حول وقف إطلاق النار أو تسوية سياسية يتطلب تحولًا جذريًا في حسابات الكرملين، مثل تكثيف الضغوط الدولية أو تقليص قدرة روسيا على مواصلة عملياتها العسكرية.
وقد استنزفت القوات البرية الروسية الدفاعات الأوكرانية على مدى أشهر من القتال الشاق، لكن بتكلفة باهظة للغاية.
وبالنسبة لفولكر، فإن شكل المفاوضات أقل أهمية من مضمونها. وقال: “الصيغة لا تهم؛ المحتوى هو الأهم”، مشيرًا إلى أن واشنطن قد تسعى لتغيير حسابات موسكو عبر أدوات مثل فرض عقوبات ثانوية أو توسيع إمدادات الأسلحة إلى أوكرانيا، وهي خطوات يعتقد أنها لم تُستخدم بعد بالكامل.
من جانبه، قال جيمس جيلمور، الذي شغل منصب السفير الأميركي لدى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا خلال إدارة ترامب، إن الانقسام العميق بين كييف وموسكو يعكس الأسباب الجوهرية للحرب؛ فروسيا تسعى للاحتفاظ بالأراضي التي استولت عليها، والحصول على مزيد من الأراضي التي لا تزال أوكرانيا تسيطر عليها، بينما تقاتل أوكرانيا من أجل بقائها كدولة ذات سيادة.
وأضاف جيلمور: “في رأيي، أهداف روسيا وأوكرانيا متعارضة بشكل جذري إلى درجة أنه ليس من الواقعي توقع اختراق”.
ورفض الاقتراحات التي تدعو كييف إلى التنازل عن أراضٍ كجزء من تسوية سلمية، واصفًا هذه التنازلات بأنها “ليست أساسًا جيدًا لإنهاء النزاع”، ومؤكدًا أن الإصرار الروسي يظل العائق الرئيسي أمام تسوية دائمة.
واتفق المسؤولان السابقان على ضرورة توجيه مزيد من الضغط إلى موسكو بدلًا من كييف إذا أُريد تهيئة الظروف لدبلوماسية جدية. واعتبر فولكر أن أدوات السياسة الأميركية لم تُستخدم بالكامل، بينما قال جيلمور إن روسيا لم تواجه بعد حوافز قوية بما يكفي لإعادة النظر في أهدافها.
دبلوماسية متعثرة
أبرزت الجهود الأميركية الأخيرة حجم المأزق. فقد فشلت المحادثات التي عُقدت هذا الأسبوع في جنيف في ردم الهوة بشأن قضايا الأراضي والضمانات الأمنية.
وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن المفاوضين العسكريين اتفقوا على آليات محتملة لمراقبة وقف إطلاق النار إذا توفرت الإرادة السياسية.
لكن الخلافات السياسية الجوهرية، ولا سيما المطالب الإقليمية الروسية، لا تزال دون حل.
ووصف المفاوض الروسي الرئيسي، فلاديمير ميدينسكي، المناقشات بأنها “صعبة لكنها عملية”. في المقابل، انتقد زيلينسكي بشدة ميدينسكي، وهو مؤرخ ذو توجهات مراجِعة ووزير ثقافة سابق، متهمًا إياه بإدخال تفسيرات تاريخية مثيرة للجدل في المحادثات.
واتفق الطرفان فقط على مواصلة المحادثات، من دون الإعلان عن موعد الجولة المقبلة.
تمسك أوكرانيا بأراضيها لا سيما إقليم دونباس
من جانب آخر، أكد زيلينسكي أن بلاده لا تدرس الانسحاب من الجزء الخاضع لسيطرة الحكومة في منطقة دونيتسك، مشددًا على أن تلك المنطقة تمثل “خط الدفاع الحقيقي” لأوكرانيا. وجاءت تصريحاته في مقابلة مع وكالة كيودو اليابانية، في وقت تتواصل فيه المحادثات مع روسيا.
وأوضح زيلينسكي أن موسكو تطالب بانسحاب القوات المسلحة الأوكرانية من كامل إقليم دونباس، إلا أن كييف ترفض ذلك بشكل قاطع.
وأعلن زيلينسكي أن المدافعين الأوكرانيين تمكنوا من استعادة 300 كيلومتر مربع من القوات الروسية في القطاع الجنوبي من الجبهة. وأكد أن القوات الأوكرانية تواصل التقدم في الجنوب، مما يشير إلى زخم العمليات المستمرة.
قيود بنيوية
إلى جانب الجمود السياسي الفوري، يشير بعض المحللين إلى عوامل بنيوية طويلة الأمد تؤثر في مسار الحرب وفرص السلام.
وقال جورج بيبي، وهو مسؤول سابق مختص بروسيا في وكالة الاستخبارات المركزية ويشغل حاليًا منصب مدير الاستراتيجية الكبرى في معهد كوينسي، إن تعهدات الغرب بدعم أوكرانيا “طالما تطلب الأمر” تقوم على افتراضات قد تتآكل بمرور الوقت. فالتراجع السكاني في أوكرانيا وقدرتها المحدودة على إنتاج أسلحة رئيسية، بما في ذلك صواريخ اعتراض الدفاع الجوي، يقيّدان قدرتها على خوض حرب طويلة من دون التزامات غربية أعمق.
وفي الوقت نفسه، أشار بيبي إلى أنه حتى لو عززت روسيا سيطرتها على الأراضي المحتلة، فإنها ستواجه تحالفًا أطلسيًا أكبر وأكثر تماسكًا، وهو تحدٍّ استراتيجي لا يمكن للمكاسب الميدانية وحدها حله.
ورأى أن تصاعد التكاليف على جميع الأطراف قد يخلق في نهاية المطاف حوافز للتسوية. لكنه شدد على أن أي مفاوضات ستكون على الأرجح طويلة ومعقدة، وتتطلب ترتيبات أمنية مبتكرة، مثل ضمانات مدعومة أوروبيًا لحماية أوكرانيا من عدوان مستقبلي من دون منحها عضوية في حلف شمال الأطلسي.
الحسابات في موسكو
يتفق المحللون عمومًا على أن مسار السلام يعتمد إلى حد كبير على القرارات التي تُتخذ في موسكو.
فما لم تغيّر روسيا نهجها أو تواجه تكاليف متزايدة بشكل حاد، فمن المرجح أن يظل التقدم الدبلوماسي محصورًا في ترتيبات تقنية، مثل آليات محدودة لوقف إطلاق النار، بدلًا من تسوية سياسية شاملة قادرة على إنهاء حرب لا يزال ثمنها البشري ومخاطرها الاستراتيجية في تزايد.
غير أن مسؤولًا كبيرًا في الإدارة الأميركية، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته في 20 فبراير/شباط، رفض فكرة أن هامش التسوية قد استُنفد.
وقال: “رغم وضوح التحديات، نظل ملتزمين بمتابعة كل مسار ممكن. إن الجهود لإيجاد أرضية مشتركة ستستمر، حتى لو كان التقدم بطيئًا وصعبًا”.
عن صحف ووكالات عالمية