فإذا جاز أن يقال هكذا في «شكسبير» و«كورنايل» وإضرابهما من أصحاب المتع في فهرس الفكر البشري، فكم يجوز – بالله عليك – أن يقال في زمرة «الخيّاميين» المساكين!!
قال (بول فاليري) يوم رُفعت القبة على قبر الجندي المجهول في باريس:
«على أصحابنا – يعني أهل الأدب – أن يستيقظوا! فقبر الجندي المجهول قصيدة تخرجها الحياة على أتم ما يكون، دون أن تفتقر إلينا، فتتلاقى تحت القبة قلوب الفرنسويين من كل حدب. ترف على البلاطة، وتحوّم بملايين الأغراض المتفرقة، من ألف المشاعر إلى يائها… فإذا انطلقت الحياة نخرج للناس في غيبة الأدب وتقصيره أمثال هذه القصائد الوافية، فما حاجتهم إلى الشعراء!!»
فعلى الأدب أن ينزل الميدان. عليه أن يغشى الحياة، ويدخل من الأبواب ومن النوافذ ومن شقوق الحائط!
إن الأدب مرآة الحياة. مجالها مجاله، وإطارها إطاره، فكل أدب لا يتراءى فيه وجه الحياة على تمامه، فهو مرآة ناقصة، طرحها أخلق من الإبقاء عليها. وكما أن الحياة قسوة وإعنات وتصعيد وتصويب، كذلك يجب للأدب. فيكون عليه غبار الكد. فمن المحصل أن الضحولة لا تقذف اللؤلؤ، ولا تشق الإصبع عباب اليم. ومن العبث أن لا يجعل الأدب في تقليد الحياة حذوك الشيء بالشيء. فعظام «أوسكار وايلد» بليت في ترابه، وبلي معه قوله: «الحياة تقلد الأدب، والأدب لا يقلد الحياة».
والأدب تأدية رسالة. عهده في الله: الحق والجمال. ففي العهد أن تؤدي الرسالة وهي تقطر دم القلب آكدة على الحق، حتى يشعشع بياض الصحيفة من البرهان، وهوى للجمال حتى تتفتق قصبة القلم من الوله!!
هذا هو الأدب، وذلك شأنه في الميدان. أما أن يظل المتمشي على الحافة، في رباعيات (الخيّاميين) وخماسياتهم وسداسياتهم إلى آخر الحساب، ينظر من بعيد ولا يلتقي قدمًا، فالحياة براءٌ منه.
ذلك، فضلًا عن أنه «أدب الصومعة» غريب في عقر داره. فهو يهالك في التباعد عنا، تقربًا إلى ذوق الفرس القدماء من جيل الخيّام. تراهم يطبعون أذواقهم على الفارسية العتيقة، يتخذون لها المقاطع مقطعة من كل وزن، وبياض الصحيفة صحراوات رحيبة بين البيت والبيت.
1933*
أديب لبناني (1901-1976)