وعلى كل، لنا أن نطرح تساؤلًا مشروعًا، وهو ماذا كان يدور في خلد الصحويين السعوديين خلال الأيام التسعة الأولى من أزمة الخليج، قبل وصول العدد (25) من مجلة «العين» التنظيمية السرية التي كان يحررها ويصدرها من دولة الإمارات كلٌّ من «محمد أحمد الراشد»، وتلميذه «عادل عبد الله الشويِّخ»؟! والذين صاغا التوجه الصحوي، والإخواني برمته في أزمة الخليج.
وفي محاولة الإجابة عن التساؤل آنف الذكر، سنجد ندرة في الأدبيات المسجلة أو الموثقة من خلال كلمات المساجد والخطب القليلة، والتي كانت وعظية، ومضطربة لعدم استيعاب الموقف، وذهول الصدمة، خصوصًا مع تزايد المخاوف من اجتياح السعودية، بل إن البعض تجاهل الموقف والحدث تمامًا، حتى استقام العود، واشتد الساعد، وانتصبت السهام، ورموا عن قوس واحدة خاصرة الوطن، بعد أن شحذت هممهم، وقوت عزائمهم، مقالات مجلة العين، لتكون تلك أبرز اللحظات الفاصلة على المستوى الوطني.
وقد كان من بؤس «الراشد» في «عينه» العوراء أن شبه دفع دول الخليج القوات المشتركة لمحاربة العراق، بما فعلته ذات الدول مع العراق في دفعه لمحاربة إيران. كما كان يرى أن ما دفعته الدول الخليجية من أموال، لا تساوي شيئًا، مقابل التضحيات التي قدمها العراق في سبيل حماية الخليج من الخطر الإيراني، ويعتبرها بمثابة الفتات من حجم ودائعها المالية، خصوصًا الكويت، وهذه نفس ما كان يتبجح به صدام ومؤيديه.
كما أن «الراشد» برر الغزو العراقي، بجزمه أن كل حركة انفصالية حدثت في العراق هي من تدبير حكومة الكويت وتمويلها، وبرر الغزو بمبرر آخر، وهو غيرة العراقيين من المستوى المعيشي للكويتيين، وفي النهاية يلخص أسباب الاحتلال الغربي للخليج -كما أسماه- بثلاثة أمور رئيسة هي: إيقاف مد الصحوة الإسلامية، ونهب أموال الأمة «أي أموال دول الخليج»، وترسيخ احتلال منابع النفط، وهي ذات المبررات التي ذكرها سلمان العودة في محاضرته: (حول الأحداث الأخيرة)، ويعني أحداث الكويت في 20 أغسطس 1990، وذكرها قبله سفر الحوالي بيوم واحد فقط، ثم ذكرها ناصر العمر بعده بأيام.
وعودة على اللحظات الفاصلة في الأزمة، فإن حرب تحرير الكويت، مثلت إحدى أعمق الأزمات في العلاقة بين الحكومة المصرية، وبين جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية الذين أدانوا الاستعانة بالقوات الصديقة لدحر الغزو العراقي، وعبروا عن هذه المعارضة بعدة طرق، من أبرزها المظاهرات واقتحام بعض الجامعات في عدة أنحاء من الجمهورية، كما شكلت النقابات التي تسيطر عليها الجماعة الإرهابية تحالفات تنسيقية بين أنشطتها في ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ النقابات، فتشكلت لجنة باسم «تنسيق العمل النقابي»، وهي الفكرة التي تحققت فقط بعد غزو العراق للكويت، وأسهم القيادي الإخواني «عصام العريان» بدور فاعل في هذه اللجنة التي كان يجب أن يطلق عليها «لجنة تنسيق العمل لمعارضة تحرير الكويت»، وهذا بخلاف مطالبة الجماعة الإرهابية بسحب القوات المصرية المشاركة في حرب تحرير الكويت.
ومن اللحظات الفاصلة، رأي الشيخ الألباني، والذي قال فيه: (أنا أعتقد أن في بلاد السعودية علماء أفاضل قد لا نجد مثلهم في بلاد أخرى إلا نادرًا، لو أُخذ رأيهم قبل أن تقع الواقعة، ودرسوا ما سيترتب من مفاسد داخلية غير المفاسد الخارجية التي تلحق بالدول الإسلامية كلها، لو استشيروا وتأملوا فيما سينتج من مفاسد، لما أذنوا بهذا الإدخال بوجه من الوجوه، ولكن الدكتاتورية بالتعبير العصري، والتعبير العربي الاستبداد بالحكم، مع التستر بالشرع بكلمات معسولات… ما دام نريد أن نحكم بالكتاب والسنة، فمن الكتاب والسنة أن نستشير أهل العلم، هل يوجد هناك ناس في تلك البلاد نفسها من يستطيع أن يقول: إن أهل العلم أُخذ رأيهم قبل أن يُستجلب هؤلاء الكفار إلى بلاد الإسلام؟ ما أظن هذا، ولكن بعد أن وقعت الواقعة، وبدأ العالم الإسلامي يثور على هذه المصيبة، صدرت الأوامر لأهل العلم بأن تصدروا فتاواكم بتأييد هذا الواقع، تلكأ بعضهم في أول الأمر… ثم وجدوا أنفسهم مضطرين إلى إصدار الفتاوى تحت عنوان: (الضرورات تبيح المحظورات).
ومن اللحظات الفاصلة موقف يوسف القرضاوي، ففي سبتمبر 1990، عقد المؤتمر الإسلامي العالمي أعماله في مكة المكرمة؛ لبحث الموقف حيال الغزو العراقي للكويت، وأصدر المؤتمر ما عرف «بوثيقة مكة»، التي أيدت وأجازت دعوة قوات أجنبية للخليج للمشاركة في تحرير الكويت، وحملت الوثيقة تواقيع مئات العلماء المشاركين، من بينهم القرضاوي الذي تردد كثيرًا في الموافقة، ثم ربط موافقته بمجيء القوات لمهمة محددة، تتمثل بإخراج الجيش العراقي والعودة من حيث أتت، وإلا كان هو أول من يقاتلها، ثم أفتى بعد ذلك بعدم جواز استخدام المطارات والموانئ والأراضي لضرب العراق.
ومن اللحظات الفاصلة تلك الآراء المعارضة لمشاركة القوات الصديقة في تحرير الكويت، ومنها: ما قاله علماء حركة الخلافة الراشدة، في اجتماع بلندن، 5 سبتمبر 1990: «إن اجتماع القوات غير المسلمة في السعودية أمر مخزٍ جدًا، يجب على البلاد المسلمة حل خلافاتها فيما بينها، إن قدومهم سهل ولكن رجوعهم صعب، لو كان هناك نظام كنظام الخلافة الراشدة في أية بقعة من بقاع الأرض لما رأينا هذا اليوم المخزي». ومنها: رأي أئمة المسجد الأقصى الذين قالوا: «إن دخول وتواجد الأعداء في بلاد الحجاز غير جائز قطعًا، والملوك والأمراء الذين سمحوا لهم بذلك مرتدون عن الإسلام وموالون للكفر»، (جريدة القدس العربي، 24 أغسطس 1990). ومنها: ما قاله زعماء جماعة أهل السنة في برمنجهام في مؤتمر صحفي، في 27 سبتمبر 1990: «أزمة الخليج يجب أن يحلها المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية، إن وجود القوات الأمريكية والبريطانية في الحجاز لا يجوز شرعًا». ومنها ما قول محمد حسنين هيكل: «القتال سينشب في الخليج العربي لتكريس التواجد الأمريكي والبريطاني ولخدمة مصالح إسرائيل» (جريدة القدس العربي، 18 أكتوبر 1990).
ومن اللحظات الفاصلة، اضطراب موقف المرشد العام للجماعة الإرهابية محمد حامد أبو النصر بين الاستنكار التام للغزو العراقي الغاشم على الكويت أول الأمر، ثم تحول موقفه مع مكتب الإرشاد إلى النقيض، ثم الصمت في آخر الأمر، مما أظهر أنه مغلوب على أمره، ولا يملك صرفًا ولا عدلًا في أمر الجماعة، والتي يقودها عمليًا -في ذلك الوقت- مصطفى مشهور.
ومن اللحظات الفاصلة المهمة، تخطيط الجماعة الإرهابية لاحتلال الكويت كبديل عن صدام، وكذلك مراوغة تنظيم الجماعة الإرهابية الكويتي وكذبه، حينما انقلبت الأمور عليهم، بعد أن طرحوا أنفسهم بديلًا للشرعية الكويتية، ولهاتين اللحظتين مزيد تفصيل في المقالين القادمين -بمشيئة الله-.