بيت الحكمة حُمل ما لم يحتمله تاريخيا، فالصورة الرومانسية عن نشأته وإسهاماته الحضارية ونهايته على يد المغول وإحراق كتبه ورميها في نهر دجلة حتى أنقلب لونه أزرق، قصة درامية تحصر الإبداع في مؤسسة غامضة تاريخيا ومعزولة اجتماعيا، تبدأ معها الحضارة العلمية وتنتهي معها، مؤسسة ضخمة ومنظمة وكأنها جامعة حديثة ذات أقسام إدارية واضحة وجهازا بيروقراطيا منظما ومركزا جامعا لكل النشاط العلمي في العصر العباسي. فقد تحول بيت الحكمة إلى أيقونة حضارية وآلة نقل حضارية للتراث اليوناني. ففكرة بيت الحكمة تحصر إبداع العرب والمسلمين في الترجمة وهي رؤية تخدم فكرة أن العرب مجرد ناقلين سلبيين لم يبتكروا إطارا علميا مستقلا.
بيت الحكمة لم يكن جامعة ولا أكاديمية مستقلة ولا مركزا وحيدا للعلم، فهو أقرب لمستودع كتب منه إلى مؤسسة علمية منظمة ودوره في الترجمة ربما كان محدودا أو رمزيا، إنه مجرد جزء هامشي من مشهد ثقافي أوسع وأكثر تعقيدا، واختزال قرون عديدة من النشاط العلمي في مؤسسة واحدة ومدينة واحدة ولحظة واحدة يرسخ ثنائية (الناقل مقابل المبدع) ويربط قسريا حضارة كاملة في مشروع هامشي للترجمة.
بيت الحكمة -بمواصفاته الحديثة- في الحقيقة اختراع حديث لباحثين معاصرين لا يستطيعون استيعاب التقدم العلمي خارج إطار المؤسسة الرسمية، لذلك قدمت فكرة «بيت الحكمة» بوصفها مؤسسة رسمية ومركزا نشطا للترجمة وحلقة وصل -خالية من الإبداع- بين اليونان وأوروبا. وهذه الرؤية تنسجم مع مفاهيم المؤسسة الحديثة التي تفصل المؤسسة عن أي بعد ديني، أي مؤسسة خارجة عن الإطار الديني وتقف في مواجهة المسجد.
ولكن الحقيقة التاريخية تؤكد أن التقدم العلمي في الحضارة العربية الإسلامية كان لا مركزيا والعلماء كانوا بلا مؤسسات أو تعليم مركزي، فأسلوب التعليم كان قائما على الحلقة والرحلة والإجازة وهذا النموذج يناسب ظروف ذاك، والفصل الحديث بين المجالين (الديني والدنيوي) غير موجود تاريخيا، فالمسجد في الحضارة الإسلامية ليس مكانا للعبادة فقط بل فضاء عاما للعلم ومنتدى فكري متنوع، إنه نظام حضاري متكامل لإنتاج المعرفة متجذر في المجتمع ومتصل بالأخلاق ومفتوح على العالم، وهذا النموذج يصعب تصنيفه أو استيعابه عند الباحث الغربي اليوم.
كثير من المستشرقين كانوا أسرى تصور يضع الدين في مواجهة العلم، لذلك فصلوا العلم في التراث الإسلامي عن المسجد والفقه وعلم الحديث وصنعوا له إطارا تفسيريا مريحا يبرزه داخل مؤسسة لا دينية مغلقة وظيفتها ترجمة تراث اليونان وتقف في مواجهة الثقافة الدينية، وهذا يهمش المجتمع والمبادرات الفردية وحلقات العلم الحرة والرحلات العلمية، ومن الثابت تاريخيا دور الرحلة العلمية في الحضارة الإسلامية، وكيف كانت جزءا من عملية التعلم ترتبط بالسفر لطلب العلم والتنقل بين المدن وزيارة علماء مشهورين وحضور حلقات علم في أماكن متنوعة.
كان المسجد وحلقاته العلمية ملتقى علميا شاملا يدرس فيه الفقه وأصوله والحديث وعلومه والتفسير واللغة والنحو والمنطق والرياضيات والفلك، ولا يوجد فصل معرفي بين العلوم ولا تصنيف (علمي/ديني) العلم الإسلامي تشكل في بيئة معرفية غير مجزأة، وهذا يفسر تكامل العلوم وظهور علماء موسوعيين في الحضارة الإسلامية.
والعلم لم يكن محصورا في المسجد لكنه كان العقدة الأهم في شبكة واسعة ومتداخلة من فضاءات إنتاج العلم وتداوله، كالرحلات العلمية وبيوت العلم والأسواق الموسمية، وهذا النموذج العلمي لا يتناسب من السرديات الاستشراقية التي تفترض أن العلم لا يكون علما إلا داخل مؤسسة، وهذا خطأ منهجي لأنه يهدف لإسقاط مفاهيم مؤسسية حديثة على سياق تاريخي مختلف تشكل وفق منطق معرفي مختلف.