أحيانًا يقف أحدهم ليسأل عن حالة مرضية، أو مهارة سريرية، أو طريق التميز. لكن في الأيام الأخيرة تغير شيء ما. لم يعد السؤال فقط عن الطب إنما أصبح عن المستقبل.
«دكتور… كيف سيكون طريقنا؟» «هل سنجد مكاننا؟» «هل الأمور واضحة؟»
أسئلة لا تقال بقلق ظاهر لكنها تحمل في عمقها بحثاً هادئاً عن الطمأنينة، تجيئ في وقت يشهد فيه القطاع الصحي تحولاً كبيرًا، من أبرز ملامحه إعلان شركة الصحة القابضة عن آلاف الفرص الوظيفية عبر التجمعات الصحية. إعلان مهم يفتح أبوابًا واسعة، لكنه في الوقت نفسه يقول أن شكل الطريق نفسه يتغير.
لطالما كان المسار نحو مهنة الطب مفهومًا إلى حد كبير. خطوات متتابعة تبدأ بالدراسة، ثم التدريب، ثم الدخول إلى سوق العمل ضمن إطار واضح. اليوم يبدو هذا المسار مختلفًا. ليس أكثر صعوبة لكنه أقل نمطية. أكثر حركة وأكثر اتساعًا.
التجمعات الصحية ونماذج التشغيل الجديدة تعيد تشكيل التجربة المهنية بطريقة أوسع من مجرد توزيع وظائف. أصبح الطبيب جزءًا من منظومة تتحرك وفق الاحتياج وتفتح مسارات متعددة وتربط بين الأداء والتطور بشكل أكثر وضوحًا. وهنا يبدأ الشعور المزدوج «اتساع في الفرص يقابله تساؤل مشروع».
في حديثي مع الطلاب لا أرى خوفًا بقدر ما أرى محاولة لفهم المشهد. وعندما ننظر بهدوء إلى ما يجري تظهر صورة أكثر توازنًا. هناك خطوات تنظيمية مهمة تتشكل على الأرض، منها ربط المسمى الوظيفي بالتصنيف المهني، وربط البدلات والحوافز بطبيعة الممارسة، ووضع معايير تقييم أوضح في التعيين.
هذه التغييرات لا تبدو كبيرة في ظاهرها لكنها في عمقها تعيد ترتيب العلاقة بين الجهد والتقدير، وتدفع نحو بيئة مهنية أكثر عدالة ووضوحًا. ومع ذلك لا يمكن تجاهل أن هذا التحول ترافق مع تحديات حقيقية.
بعض الخريجين اليوم يشعرون أنهم يقفون في مساحة غير واضحة المعالم. جيل أنهى رحلته الدراسية، لكنه لم يجد بعد المسار المهني بالوضوح الذي كان متاحًا في السابق. ليس لأن الفرص غير موجودة بل لأن طريقة الوصول إليها تغيرت.
الانتقال من نموذج توظيف مركزي إلى نموذج تشغيلي عبر التجمعات الصحية وشركة الصحة القابضة، نقل المسؤولية إلى مستوى مختلف تحكمه اعتبارات الكفاءة والاستدامة. وفي هذه المرحلة لم تكتمل بعد كل أدوات التنظيم السرعة نفسها. وهنا يظهر التحدي الحقيقي وهو إدارة المرحلة الانتقالية. فبعض الخريجين يجدون أنفسهم بين نظام سابق لم يعد يعمل كما كان، ونظام جديد لم تتضح كل مساراته بعد. هذا الشعور مفهوم وهو جزء طبيعي من أي تحول كبير.
عندما ننظر إلى الصورة الأوسع، يتضح أن القضية ليست مسؤولية جهة واحدة. إنها نتيجة تفاعل منظومة كاملة تتضمن سياسات القبول، برامج التدريب، آليات التوظيف وتوزيع الفرص. وهذا ما يجعل الحل بطبيعته تكامليًا يحتاج إلى تنسيق أعلى بين الجهات المختلفة وإلى دور أكثر فاعلية في تنظيم سوق العمل الصحي وضبط العلاقة بين العرض والطلب، وتسهيل الانتقال من التدريب إلى الممارسة.
ومع كل هذا يبقى للتحول أثره الإنساني قد يتأثر البعض في هذه المرحلة لكن مع مرور الوقت بحول الله يتضح أن إعادة التنظيم لا تبنى للحاضر فقط إنما للمستقبل أيضًا. وأن ما يبدو تحدياً اليوم قد يكون أساسًا لبيئة أكثر عدالة واستقرارًا غدًا.
أعود إلى أروقة الكلية إلى تلك الوجوه التي تمشي بين المحاضرات، تحمل كتبها وأجهزتها اللوحية وتحمل معها أسئلة أكبر. أفكر فيهم وأدرك أن ما ينتظرهم ليس طريقًا غامضًا، بل طريقًا يتشكل قد لا يشبه ما اعتدنا عليه ومررنا به لكنه يحمل مساحة أكبر لمن يريد أن يبني مساره بوعيه واجتهاده.
أخيرًا تبقى مهنة الطب كما هي في جوهرها. إنسان يبحث عن معنى ويختار أن يكون جزءًا من حياة الآخرين. وكل ما يتغير حولها هو شكل الطريق إليها. وما يحدث اليوم بداية طريق يتضح مع الوقت.
لذلك، إن كان هناك ما يمكن أن يقال لأطباء المستقبل فهو بسيط:
اطمئنوا… فالطريق يتغير، لكنه يتشكل لكم.