وعلى العموم تتسم المجتمعات البشرية بالتنوع والتعددية الثقافية التي تعكس خصوصياتها وهويتها الوطنية. وكلما تفاعلتْ حضارةٌ ما مع الحضارات الأخرى بانفتاحها عليها، زادت من تأثيرِها واتساع نطاقِها، وهكذا كانت الحضارةُ الإسلامية تضم تراثًا عريقًا لثقافاتٍ مختلفة وأتباع ديانات وإثنيات متنوعة، عاشَ بعضُها مع بعض في إطارِ مُشتركاتٍ إنسانية لذلك الزمان.
لكن مثل تلك الحالات التي أَسهمت في تعزيز القيَم المُشترَكة والمُثل الإنسانية، تراجَعت على نحوٍ كبير بفعل هيْمنة التعصب ووليده التطرف ونتاجهما العنف والإرهاب. وقد حَصَلَ مثل هذا التراجُع السريع في ما أُطلق عليه «الفترة المظلمة» بسقوط بغداد بعد هجوم التتار على مقر الخلافة العباسية وانهيار الدولة في العام 656هـ – 1258م، واستمرت حتى نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، مع ظهور محاولاتٍ للإصلاح والنهوض على أيدي مُصلحين كبار مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبدالرحمن الكواكبي ورفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وحسين النائيني وغيرهم.
وإذا كانت ثمة تجاوزاتٌ وانتهاكاتٌ لحقوق المجموعات الثقافية الدينية والإثنية والسلالية واللغوية في فتراتٍ سابقة، إلا أنها لم تَصِل إلى درجة الإقصاء أو الإلغاء، وإن وُجدت بعض الحالات، لكنها على العموم ظلت محدودة، في حين أن التحديات التي تمر بها دولُ المشرق اليوم وشعوبه وأُممه في ظل المشروع الإسرائيلي الإحلالي الإجلائي التوسعي كبيرة جدا وغير مسبوقة، وهو ما ظَهَرَ على نحوٍ سافرٍ بعد عملية «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر 2023، حيث تعرضت غزة إلى حربِ إبادةٍ شاملة، وكذلك شَهدتْ مناطق الضفة الغربية انتهاكاتٍ صارخة لأبسط حقوق الإنسان.
لعل هذه التحديات تَستوجِب فتْحَ حوارٍ جاد ومسؤول بين «أعمدة الأمة الأربعة» بحسب تسمية سمو الأمير الحسن بن طلال، وهو المشروع الذي دعوْنا له منذ أكثر من ربع قرنٍ من الزمن، والمقصود بذلك حوار بين المجموعات الثقافية الأساسية المكونة لدولِ الإقليم في مواجهة التعصب بمُختلف أشكاله الدينية أو القومية أو اللغوية أو غيرها، تلك التي تُريد إملاءَ الإرادة على الآخر بزعْمِ امتلاك الحقيقة أو ادعاء الأفضليات.
إسرائيل الكبرى بصوت عال
وقد كانت تلك الذرائع وراء اندلاع المَوجة الطائفية في العراق، ولا سيما في سنوات ما بعد الاحتلال الأمريكي، والتي راح ضحيتها عشرات الآلاف من العراقيين، وهي ذاتها التي كانت وراء تغوُل الميليشيات واستقوائها على الدولة.
وفي الواقع حين يَغيب الحوار، يتقدم العنفُ ويتهدد السلام بين دول الإقليم، ناهيك بالسلام المجتمعي؛ ولعل أحداث السويداء السورية الأخيرة وانفجار مَوجة العنف الديني والطائفي خَير دليلٍ على ذلك، وقد سَبقتها أحداثُ الساحل المأساوية، والتي انتقلت إلى حمص وجرمانة لاحقًا، وصولًا إلى السويداء «ممر داوود»، بحسب الادعاءات التوراتية القديمة/ الجديدة.
والأخير هو مشروع إسرائيلي يَستمد جذورَه من العقيدة الصهيونية التي تقوم على إقامة «إسرائيل الكبرى» من النيل إلى الفرات، تلك التي أَصبح الحديث عنها مسموعًا وبصوتٍ عالٍ في الفترة الأخيرة بفعل اختلال موازين القوى بين العرب وإسرائيل، وغياب الحوار العقلاني السلمي بين دول الإقليم وشعوبه.
ويَستهدف «ممر داوود»، بعد وضْع اليد على الجولان وجبل الشيخ والقنيطرة ودرعا وحوران، الوصول إلى السويداء في اتجاه منطقة التنف، حيث القاعدة الأمريكية المهمة على الحدود السورية – العراقية – الأردنية، ومنها إلى كردستان في الأراضي العراقية، والهدف هو تقليل الاعتماد على قناة السويس وتقويض طريق الحزام والحرير الصيني وفتْح المجال أمام مرور البضائع عَبْرَ إسرائيل برا وبحرًا، ولا سيما باستكمال ذلك عَبْرَ الطريق الهندي – الأوروبي، بحيث تكون إسرائيل مُرتكَزًا ونقطةَ انطلاقٍ مركزية بين دول الإقليم التي يُراد تفكيكها وتفتيتها، بحيث تتوزع على كانتوناتٍ طائفية ومذهبية وإثنية يُمكن قيادتها عَبْرَ أقلية إسرائيلية متقدمة عِلميا وتكنولوجيا وعسكريا واقتصاديا.
بعدما كان العرب القومية الأكبر المُمتدة من المحيط إلى الخليج، إذا بهم يتحولون إلى دولٍ وأقاليم تَضم بين ظهرانيها شعوبًا وأُممًا تتطلع هي الأخرى إلى الاستقلال وحق تقرير المصير.
وهكذا كان تحدي الهويات القومية – الإثنية داخل كل بلدٍ عربي، ولا سيما العراق وسوريا من دول المشرق، فضلًا عن تركيا وإيران من دول الجوار، وأصبحت هوياتٌ فرعية تسعى لبناء هوية خاصة بها ومستقلة بحُكم تاريخها وثقافتها ولغتها وخصوصيتها واختلافها.
وفي النسيج المجتمعي الذي بدا مُتماسكًا، كانت ثمة توتراتٌ تَظهر وتَخبو، وبعضها يَتخذ شكلَ نزاعاتٍ مسلحة، وخصوصًا في ظل غياب الحوار أو عدم جديته وعدم الاعتراف بالشراكة والحق في المُشارَكة، والأمر يعود إلى ضعف خطاب المُواطَنة والتعويض عنه بخطاب السرديات الكبرى والشعارات المفخمة ذات الرنين الثوري العالي، فاليسار والماركسيون كانوا يدعون إلى الاشتراكية التي يُمكنها حل التناقضات الثانوية. أما القوميون أو التيارات العروبية، فكانت تدعو إلى الوحدة الفورية لتحرير فلسطين، وعندها يُمكن تحقيق طموح المواطن في حياةٍ حرة كريمة، والإسلاميون لطالما تشبثوا بمقولتهم: «إن الإسلام هو الحل»، لكنهم أوصلونا مؤخرًا، بخاصة في الفترة التي سَنحت لهم التطوراتُ خلالها بالسيطرة على السلطة، إلى استبدادٍ ديني شديد الضراوة.
الوعي بالهوية في دول الإقليم
وهكذا ضاعت حلقةٌ مركزية كان فقدانُها أحد أسباب تراجُع الوضع العربي من جهة، والوضع في دول الإقليم من جهةٍ أخرى، وأَعني بذلك المُواطَنة التي تَعتمد على أركانٍ أربعة؛ أولها الحرية، وثانيها المُساواة، وثالثها العدالة، ورابعها الشراكة والمُشارَكة. وهذه الأركان مُتداخِلة ومُترابِطة ومُتشاكِلة، وهي أساس تقدم الدول العصرية في ظل حُكم القانون والمشروعية القانونية، التي من دونها لا يُمكن الحديث عن الشرعية السياسية التي تَعني رضا الناس وتحقيق مُنجَزٍ لهم على مختلف الصُعد.
إن القدرة على إدارة حوار حضاري مفتوح بين دول الإقليم وشعوبِه، ولا سيما بين مثقفيه، يُمكن أن يُوفرَ أرضيةً مناسبة للقاء والتعاوُن على أساس احترام الخصوصيات والاعتراف بالآخر وقبول التنوع والحق في الاختلاف، وذلك على صعيد كل بلد وعلى صعيد دول الإقليم.
وباستثناء الكرد، فإن القوميات الأخرى، العرب والترك والفرس لها دولها، لكن ذلك لا يَمنع من مدِ أُسُسِ الحوار ليَشملَ كيانًا إقليميا مُعترَفًا به دستوريا، في إطار الدولة العراقية، ويُمثل قوميةً من قوميات دول المنطقة وأُممها وشعوبها، ويُمكن أن يكون عاملَ استقرارٍ وسلامٍ واستثمارٍ لدول الإقليم التي يوجد فيها الكرد كأحد المكونات الأساسية منها، كما هي تركيا وإيران والعراق وسوريا.
ولعل الوعي بالهوية يُمكن أن يُقرب شعوبَ ودولَ الإقليم، وخصوصًا حين يتم الارتكاز على أُسُسٍ حقوقية وقانونية وفقًا للتنوع والعَيش المُشترَك، بما يَرسم ملامح علاقاتٍ جديدة بين أُمم الإقليم وشعوبه، وخصوصًا إذا تمكنت من التعامل وفقًا لمصالحها الوطنية وبعيدًا عن الإملاءات الخارجية والتدخلات الأجنبية التي لا تضمر الود لدولِ الإقليم.
وإذا كانت نظريةُ «صدام الحضارات» قد بَرزت على يد صاموئيل هنتنغتون في مطلع تسعينيات القرن الماضي، استكمالًا لنظرية «نهاية التاريخ» التي بَشَرَ بها فرنسيس فوكوياما في نهاية ثمانينياته، فإن الهدف من ذلك هو إملاء الإرادة على أُمَمِ المنطقة وشعوبِها ودفْعها إلى الاحتراب في ما بينها؛ وما استمرار الحرب العراقية – الإيرانية لثماني سنوات بالكمال والتمام، إلا خير دليل على ذلك. والأمر ذاته يَنسحب على استمرار الاحتراب الداخلي السوري لنحو 13 عامًا، وكأنه لا يعني أحدًا، بل ثمة من كان يغذيه لتمزيق النسيج الوطني، الذي ظل يتآكل حتى شهدنا مؤخرًا الإجرامَ المنقطع النظير بين إرهابيين وغلاةٍ متعصبين وتدخلاتٍ إسرائيلية وقوىً خارجية مُريبة.
إن الموقع الإستراتيجي والجيوسياسي لدولِ الإقليم المشرقي، فضلًا عن تاريخه والديانات الثلاث التي انطلَقت منه ومن عالَمِنا العربي بشكلٍ خاص، وأعني بذلك اليهودية والمسيحية والإسلام يَنبغي أن تتحول إلى عناصر إيجابية تصب في المشروع النهضوي لدولِ الإقليم على أساس المصالح المُشترَكة والمَنافِع المُتبادَلة واحترام حق تقرير المصير وعدم التدخل بالشؤون الداخلية وإنماء روح التعاوُن الثقافي والاقتصادي والاجتماعي بين دوله ومُجتمعاته.
والحوار بين دولِ الإقليم وأُممهِ وشعوبهِ يَستوجِب أيضًا وبالترافُق معه البحثَ عن حلولٍ سِلمية لمشكلاته وإشكالياته، وفي مقدمة ذلك، إيجاد حل عادل ومقبول للقضية الفلسطينية، بإقامة الدولة الوطنية على التراب الوطني الفلسطيني طبقًا لمبدأ حق تقرير المصير، وبالطبع التأكيد على رمزية القدس كعاصمةٍ لدولة فلسطين القابلة للحياة.
الثقافة هي التي تُمثل الوعاء لإعلانِ أن مثل هذا الحوار ضروري للبحث عن المُشتركات والابتعاد عن المُفترقات، وكما يُقال «تعظيم الجوامع» و«تقليص الفوارق واحترامها». والحوار يعني الحفاظ على التمايُز والخصوصية، وهو السبيل لضمان تقدم أعمدة الأمة الأربعة وما تحمله من ثقلٍ تاريخي وعُمقٍ ثقافي، على الرغم من المرارات التي لا تخلو منها أية علاقات بين مكونات أي منطقة أو أي شعب.
*كاتب من العراق
* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.