ترجمة المدى
مع تواصل الاشتباكات والقصف المتبادل بين عناصر حزب الله وإسرائيل في جنوب لبنان، تطبق الأخيرة سياسة التهجير الجماعي واستخدام الذخائر المحظورة في تنفيذ ضرباتها الجوية، مع قيام طائراتها بقصف نحو 53 قرية في جنوب لبنان، واستهداف طائراتها المسيرة 13 بلدة، مع تعرض 16 قرية لقصف مدفعي بقذائف الفوسفور.
وبينما ينصبّ معظم الاهتمام الإعلامي على القصف الإسرائيلي-الأمريكي لإيران، فإن الهجوم الإسرائيلي على لبنان يهدد بأن يتحول إلى عملية توسع واحتلال دائمة، بما يؤدي فعلياً إلى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط.
يواجه لبنان تهديداً بـ”كارثة إنسانية”، بحسب ما حذرت به مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، في ظل تصعيد إسرائيل لقصفها الذي يستمر منذ أسابيع، إضافة إلى توغل بري داخل البلاد. وقد تم إجبار أكثر من 1.2 مليون شخص على مغادرة منازلهم، بينهم 370 ألف طفل، وفقاً لمنظمة اليونيسف.
كما تعرضت مناطق مكتظة بالسكان في وسط بيروت للقصف. ويبلغ إجمالي عدد القتلى جراء الهجوم الإسرائيلي ما لا يقل عن 1,125 شخصاً، مع أكثر من 3,300 جريح، بحسب وزارة الصحة اللبنانية.
وقال وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس إن جيشه سيبسط سيطرته على جنوب لبنان وصولاً إلى نهر الليطاني، وإن مئات الآلاف من السكان سيُمنعون من العودة إلى منازلهم في تلك المنطقة بشكل غير محدد. كما أصدر الجيش الإسرائيلي أمراً واسع النطاق بإخلاء جميع السكان في لبنان الواقعة منازلهم جنوب نهر الزهراني، وهو يقع على بعد نحو 20 كيلومتراً شمال نهر الليطاني، حيث دمرت إسرائيل عدة جسور، تمهيداً للغزو والاحتلال.
وقالت ليندهولم بيليغ من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين: “إن تدمير الجسور الرئيسية في الجنوب أدى إلى قطع الاتصال بين مناطق بأكملها… وعزل أكثر من 150 ألف شخص، والحد بشكل كبير من وصول المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم الأساسية”.
وأضافت منظمة هيومن رايتس ووتش: “إن سياسات إسرائيل في التهجير الجماعي في لبنان تثير مخاطر جسيمة للتهجير القسري”. وأكدت أن “التهجير القسري والعقاب الجماعي يُعدّان من جرائم الحرب”.
استخدام أسلحة محظورة
تستخدم إسرائيل أيضاً ذخائر الفوسفور الأبيض بشكل عشوائي فوق مناطق سكنية في جنوب لبنان، وفقاً لمنظمة هيومن رايتس ووتش. وقال رامزي قيس من المنظمة: “إن الاستخدام غير القانوني للفوسفور الأبيض من قبل الجيش الإسرائيلي فوق مناطق سكنية أمر مقلق للغاية، وسيترتب عليه عواقب وخيمة على المدنيين.” وأضاف أن “التأثيرات الحارقة للفوسفور الأبيض يمكن أن تسبب الوفاة أو إصابات مؤلمة تؤدي إلى معاناة طويلة الأمد مدى الحياة.”
كما توجد أدلة على استهداف إسرائيل للعاملين في المجال الصحي، فقد تم قصف عشرات المرافق الطبية. وتقول منظمة الصحة العالمية إن الضربات الإسرائيلية قتلت 14 من العاملين الصحيين في جنوب لبنان خلال 24 ساعة فقط، من بينهم 12 طبيباً وممرضاً ومسعفاً قتلوا في هجوم على مركز برج قلاوية للرعاية الصحية الأولية.
ووفقاً لتقارير محلية لبنانية، قُتل تسعة من عمال الإنقاذ في غارات استهدفت سيارات إسعاف تابعة للهيئة الصحية الإسلامية وجمعية كشافة الرسالة التابعة لحركة أمل، في كفر تبنيت، وزوطر الغربية (قضاء النبطية)، وغندورية (بنت جبيل). كذلك قُتل جنديان من الجيش اللبناني في غارة على دير الزهراني (النبطية).
وتعكس الهجمات الإسرائيلية على النظام الصحي في لبنان نمط التدمير المتعمد للرعاية الصحية في غزة. فمنذ أوائل مارس/آذار، قُتل ما لا يقل عن 51 من العاملين الصحيين، وأصيب 120 آخرون في هذه الهجمات داخل لبنان.
وفي اليوم الماضي، قُتل عدد من عمال الإسعاف في هجمات منفصلة استهدفت فرقاً صحية تعمل في خمس قرى لبنانية مختلفة. وقال تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية: “أُغلقت أربعة مستشفيات و51 مركزاً للرعاية الصحية الأولية، مما يحد بشكل كبير من الوصول إلى الرعاية الأساسية في وقت تشتد فيه الحاجة إليها. كما تعرضت عدة مرافق صحية لأضرار جزئية وتعمل بطاقة محدودة”، مضيفاً: “العاملون في المجال الصحي يتمتعون بالحماية بموجب القانون الإنساني الدولي، ويجب عدم استهدافهم أبداً.”
وهناك أيضاً أدلة على أن إسرائيل تستخدم ضربات “مزدوجة” لاستهداف فرق الإنقاذ في جنوب لبنان. ويشير مصطلح “الضربة المزدوجة” إلى ممارسة متعمدة تتمثل في تنفيذ غارة جوية يتبعها هجوم ثانٍ بعد دقائق، بهدف استهداف فرق الاستجابة والمسعفين الذين يهرعون إلى موقع الضربة الأولى. ويُعد الاستهداف المتعمد لغير المقاتلين جريمة حرب أيضاً.
وتستمر الغارات الإسرائيلية رغم استعداد لبنان الواضح للدخول في مفاوضات فورية مع إسرائيل. فقد صرّح رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام بأن بلاده مستعدة لـ”مفاوضات فورية”. كما اقترح الرئيس اللبناني جوزيف عون قبل أسبوع خطة من أربع نقاط، تضمنت “وقفاً كاملاً لإطلاق النار” ونزع سلاح حزب الله.
من جانب آخر، قُتل ثلاثة صحفيين لبنانيين في ضربة إسرائيلية استهدفت سيارتهم الإعلامية في جنوب لبنان السبت، بحسب ما أفادت به وسائل إعلام محلية.
وأدان الاتحاد الدولي للصحفيين بشدة مقتل الصحفيين اللبنانيين الثلاثة أثناء تأديتهم لعملهم الصحفي، جراء غارة جوية إسرائيلية استهدفت بلدة جزين ليل السبت.
وفي بيان، قال الأمين العام للاتحاد أنتوني بيلانجيه: “الصحفيون مدنيون ويحظون بالحماية بموجب القانون الدولي الإنساني. ومن خلال استهداف هؤلاء المهنيين الإعلاميين الثلاثة بشكل متعمد، تكون إسرائيل قد ارتكبت مرة أخرى انتهاكاً خطيراً لهذا القانون.”
ودعا بيلانجيه إلى إجراء تحقيق دولي مستقل لضمان تحديد المسؤولين عن هذا الهجوم ومحاسبتهم، ووضع حد للإفلات من العقاب في الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين.
وفي تقريرها اليومي الأخير، أفادت وزارة الصحة اللبنانية بسقوط ما لا يقل عن 47 قتيلاً و112 جريحاً في الهجمات الإسرائيلية يوم السبت. وبذلك ترتفع الحصيلة الإجمالية إلى 1,189 قتيلاً و3,427 جريحاً في لبنان منذ بدء الهجوم الإسرائيلي في 2 مارس/آذار.
عن صحف ووكالات عالمية