يستقبل المسلمون في رمضان ذكريين جليلتين لحادثتين خطيرتين كان لأولاهما أكبر الفضل في تقدم الإنسانية، وكان لأخراهما أقوى الأثر في نجاح الدعوة الإسلامية: ذكرى نزول القرآن الكريم في ليلة القدر، وذكرى انتصار المسلين في غزوة بدر.
كان نزول القرآن في رمضان فرقانًا بين عهدين متغابرين:
عهد ذل فيه الإنسان حتى عبد الحجر، وضل فيه العقل حتى استحب العمى، وفجرَ فيه الطغيان حتى أنكر الإنسانية؛ وعهد تدارك اللّٰه فيه عباده بلطفه، فهدى بنور دينه ضلال الفكر، وأقام بدستور شرعه ميزان العدل، ورفع بسلطان خلافته معنى الإحسان.
وكانت معركة بدر في رمضان حكما قاطعًا من أحكام القدر، غير مجرى التاريخ، وعدَّل وجهة الدنيا، ومكن للعرّب في دَورهم أن يبلغوا رسالة اللّٰه، ويؤدوا أمانة الحضارة، ويصلوا ما انقطع من سلسلة العلم. كان المسلمون في بدر على ضرهم وفقرهم ثلث المشركين. وكان المشركون على كثرتهم وعدتهم صفوة قريش. فموقف الإسلام من الشرك كان يومئذ موقف محنة. كان بين العُدوتين في بدر مفرق الطريق، فإما أن يقود محمد زمام البشرية في سبيل اللّٰه فتنجو، وإما أن يردها أبو جهل إلى مجاهل التيه والضلال فتهلك. وقفت مدنية الإنسان بأديانها وعلومها وراء محمد على القليب، ووقفت همجية الحيوان بأصنامها وأوهامها وراء أبي جهل على الكثيب. فكان طريق وعقبة، ونور ومظلمة، وإله وشيطان؛ فإما أن يتمزق تراث الإنسانية على هذا الصخر، ويتبدد نور اللّه في هذا القفر، وإما أن تتم المعجزة فتفيض الحياة على الناس من هذه البئْر، ويتصل الماضي بالمستقبل من هذه السبيل، ويبدأ التاريخ عهده الجديد بهذه الموقعة. ولقد أراد الله أن تتم للمعجزة فانتصر ثلاثمائة مسلم على قرابة ألف مشرك.
ويستقبل المسلمون في رمضان ثلاثين عيدًا من أعياد القلب والروح، تفيض أيامها بالسرور، وتشرق لياليها بالنور، وتفتر مجالسها بالأنس. ففي المدن يغمر الصائمين فيض من الشعور الديني اللطيف يجعلهم بين صحوة القلب ونشوة الجسد في حال استغراق في اللّه، يتأملون أكثر مما يعملون، ويستمعون أكثر مما يتكلمون. فإذا أمسى المساء وفرغوا من الطعام والصلاة انتشروا في المدينة، بالبهجة والزينة؛ فالرجال يحضرون محافل القرآن أو السمر في البيوت أو في المنتديات؛ والنساء يوزعن الوداد على منازل القريبات والصديقات؛ والأطفال يفرحون بأناشيدهم ومصابيحهم بالميادين والطرقات، والدور الباقية على العهد تتقرب إلى اللّٰه بالذكر والصدقات، والمساجد المقفرة طول العام تعج بالوعظ والصلوات، والمآذن الخالية بالمصابيح، الشادية بالتسابيح، ترسل في أعماق الأبد نور اللّٰه وكلمته.
وفي القرى يرجع الفلاح في رمضان نقيًا كقطرة المزن، طاهرًا كفطرة الوليد، فلا يقتل ولا يسرق ولا يشهد الزور ولا يقول الفجر ولا يأتي الفكر. ثم تعتريه حال من الصوفية الشاعرة فيعف لسانه ويخشع قلبه وتلين يده، فلا تسمع منه لغوًا في حديث، ولا عنفًا في جدل، ولا بغيًا في خصومة، فإذا أذهله الغضب فرفع صوته ندم عجلًا، واستغفر وقال: اللهم إني صائم !
وما أجمل أن ترى فاتك الأمس وقد أصبح ناسك اليوم يمشي من البيت إلى المسجد في ثوبه النظيف وئيد الخطو، غضيض الطرف، لا تترك السبحة يده، ولا يفتُر عن التسبيح لسانه. حتى إذا قضيت صلاة العصر جلسوا على المساطب يستمعون القصص أو الوعظ إلى أن تؤذن الشمس بالمغيب، فيعدوا الموائد في الطريق أمام بيوتهم ويدعوا إليها عابري السبيل وطالبي الصدقة؛ ثم لا يلبث الإخاء المحض أن يجعل الموائد المتعددة مائدة واحدة، أصاب منها من يشاء ما يشاء.
1951*
* كاتب ودبلوماسي مصري «1915-1993».