بذل دونالد ترمب جهداً كبيراً لطمس «أزمة الطاقة» التي أقلقت دول مجموعة الـ 7 وسائر الدول شرقاً وغرباً، ثمّ اضطرّ للاعتراف بها بعدما تأكد أن الأسعار ترتفع باستمرار، وهذه مسألة مؤثّرة في اتجاهات الناخب الأمريكي، لكنه حاول تغطيتها بأن «ارتفاع الأسعار يعني الكثير من المال للمنتجين الأمريكيين». لم يبدِ ترمب الاهتمام الخاص والاستثنائي المفترض بما تتعرّض له دول الحلفاء والأصدقاء في الخليج العربي من خسائر وأضرار بما في ذلك التهديد باستهداف محطات تحلية المياه، إذ بات مؤكّداً أن إيران تتعمّد شن حربٍ عليهم كتعويض عن عجزها حيال التفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي.
كل مؤسسات الإدارة في واشنطن وكل العواصم المعنية علمت أن الرئيس وأركانه يتداولون عن السيناريوات الممكنة لوقف الحرب، سواء لأنها حققت معظم أهدافها العسكرية، أو لأن إيران كانت تتوقع الأكثر سوءاً وظلّت جاهزة للحرب فلم ترتبك ردودها العسكرية بعد «قطع رأس» قيادتها. وبعدما قال الرئيس إنه سيتشاور مع بنيامين نتنياهو في شأن إنهاء الحرب و«سيُشركه في رسم أي تسوية»، بدا واضحاً أن صقور الإدارة ورئيس الوزراء الإسرائيلي تمكنوا من تأجيل قرار وقف الحرب، لأنهم مثل ترمب لا يزالون يبحثون عن أي سبيل لإسقاط النظام. ومع أن خيار تحريك الأقليات (المسلحة) ضد النظام طرح بقوّة منذ نهاية الأسبوع الأول، إلا أنه غاب تلقائياً من التداول بعدما رفضه ترمب، وقد يكون رفضه خدعة أو تأجيلاً. إذ إن واشنطن أشارت مراراً في أعوام سابقة إلى هذه الأقليات، وبالأخص فصائل الكرد شبه الجاهزة للقتال، لكن عدم وجود خطة لـ«اليوم التالي» كشف أنها لم تشتغل بشكلٍ مدروس على تجنيد الآذريين والبلوش وعرب الأحواز وإعدادهم للمهمّة.
أخيراً، وُجدت «نقطة الضعف» الإيرانية المفصلية: إنها النفط أولاً وأخيراً. فالإيرانيون كثّفوا الاعتداءات على دول الخليج للضغط عليها كي تضغط بدورها على ترمب ليبادر إلى وقف الحرب. الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون، الأكثر صراحة حالياً، قال في أحد مداخلاته إن الاعتداءات الإيرانية «أضرّت بأصدقائنا في دول الخليج، لكنها حققت هدفاً لإسرائيل التي تريد إلحاق الضرر ونشر الفوضى في هذه الدول». حاربت إيران بـ«سلاح» قطع الإمدادات النفطية لافتعال أزمة عالمية تُحمَّل أميركا – ترمب مسؤوليتها، وهاجمت ناقلاتٍ في الموانئ الخليجية أو بالقرب منها، مهدّدةً بمنع مرور «ليتر نفط واحد» عبر مضيق هرمز، ما لم تتوقف الحرب.
مطلع الأسبوع الثالث، وبعد ضرب الأهداف العسكرية في جزيرة خرج (خارك) الإيرانية، اتضحت خريطة المقايضة الترمبية: مرور ناقلات النفط والسفن التجارية بأمان عبر مضيق هرمز مقابل الامتناع عن تدمير البنية التحتية في خرج- «درّة التاج النفطي» الإيراني. هذا تهديد واضح لا يمكن طهران أن تقلّل من أهميته أو تقرّر مواجهته بـ«الانتحار الاقتصادي»، وقد جاء غداة تأكيد مسؤولين إيرانيين أنهم أبلغوا وسطاء إقليميين حاولوا فتح قناة حوار لوقف إطلاق النار، وكان جوابهم أن «لا وقف للنار ولا محادثات ولا اتفاق» قبل أن يوقف الأمريكيون والإسرائيليون هجماتهم. وفي الأثناء اعتمد ترمب هذه اللاءات الثلاث، وقطع الاتصال مع الوسطاء، وبعدما كان حظّر على إسرائيل مهاجمة المنشآت النفطية الإيرانية فإنه قد يأمر القوات الأمريكية بالسيطرة على جزيرة خرج.
قبل ذلك هوجمت المواقع العسكرية في الجزيرة، وقد تكون دُمّرت فعلاً، كما أعلن ترمب نفسه، أي أن الوجود الإيراني فيها يقتصر الآن على مَن يديرون المنشآت. أرسل البنتاغون قوات إضافية من المارينز إلى المنطقة، ما يعزز التوقعات بأن تتضمن الخطة إنزالاً للقوات كي تتحكّم بالجزيرة وتفرض حماية للسفن العابرة مضيق هرمز. كيف يمكن للإيرانيين أن يردّوا على هذا الاختراق الإستراتيجي؟ الصواريخ والمسيّرات لن تكون مجدية إذا أُخرجت خرج عن سيطرتهم، والشروط التي حدّدوها للمرور عبر المضيق لن يستطيعوا فرضها إذا كانت هناك مرافقة أمريكية للسفن «غير المرغوب فيها». لن يبقى سوى التفاوض، فهل تطلبه طهران؟.
* ينشر بالتزامن مع موقع «النهار العربي»