هذا هو المعنى الحقيقي لمفهوم القوة الناعمة كما طرحه المفكر السياسي Joseph Nye؛ فالتأثير لا يأتي عبر الإكراه، بل عبر الجاذبية والصورة والتكرار. والإعلام هو المساحة الأوسع التي تمارس فيها هذه القوة يوميًا، دون صخب، ودون أن نشعر بحدوث التغيير.
القيم المجتمعية لا تتراجع لأن أحدًا قرر إسقاطها، بل لأنها تُزاح بهدوء من مركز المشهد. يحدث ذلك حين لا تعود القيم حاضرة في الخطاب اليومي، ولا ممثلة في النماذج المعروضة، ولا منعكسة في الصورة الإعلامية السائدة. ومع الوقت، لا تختفي القيم من الذاكرة، لكنها تفقد حضورها في الواقع. فينشأ جيل يرى السلوك دون مرجعيته، والمشهد دون سياقه، فيتعامل مع الصور بوصفها حقائق، ومع التكرار بوصفه معيار.
وهنا لا يكون التغيير صدامًا مع الموروث، بل انفصال تدريجي عنه، حتى يصبح ما كان يومًا أساس أخلاقي مجرد تفصيل ثانوي في الوعي الجمعي.
تؤكد تقارير لليونسكو أن الإعلام المسؤول قادر على تعزيز الهوية والانتماء والتماسك الاجتماعي عندما تُبنى رسالته على أسس قيمية واضحة. لكن غياب هذا الوعي يحوّل المنصات إلى مساحات يُعاد فيها تشكيل السلوك الاجتماعي بعيدًا عن منظومة القيم الأصيلة. فاختيار من يُسلّط عليه الضوء، وطريقة تقديم العلاقات الإنسانية، ونماذج النجاح المعروضة، كلها عناصر تُنشئ قاموسا قيميا جديدا لدى المتلقي، خاصة لدى الأجيال الأصغر سنًا.
ومع تصاعد الإعلام الرقمي، أصبح التأثير أكثر عمقًا وأسرع انتشارًا. وتشير تقارير صادرة عن منظمة الصحة العالمية إلى أن التعرض المستمر لنماذج حياة مصطنعة يعيد تشكيل توقعات الأفراد عن العلاقات والنجاح والسعادة. لكن الأثر الأعمق لا يقف عند الصحة النفسية فحسب، بل يمتد إلى إعادة تعريف معنى الأسرة، والخصوصية، والاحترام، والمسؤولية الاجتماعية. فحين تُختزل العلاقات الإنسانية في محتوى ترفيهي، وتُختصر القيم في لقطات سريعة، يبدأ المجتمع بفقدان حساسيته تجاه المعايير التي كانت يومًا راسخة.
الإعلام لا يُضعف القيم عبر الدعوة إلى نقيضها، بل عبر إغراق المشهد بما يُهمّشها. حين يغيب الحديث عن الاحترام، يتراجع حضوره. حين تختفي القدوات الحقيقية، تملأ الفراغ قدوات مصطنعة. وحين يُحتفى بالمثير على حساب المهم، تتبدل أولويات المجتمع دون أن يلحظ ذلك. هذا التحول لا يحدث في الخطاب المباشر، بل في الخلفية، في التراكم البطيء للصور والرسائل التي تُعيد تعريف ما يستحق الاهتمام.
ولا يقف أثر الإعلام عند حدود السلوك الفردي، بل يمتد ليعيد تشكيل الذوق العام والمرجعية الأخلاقية المشتركة داخل المجتمع. فالمجتمع لا يتماسك بالقوانين فقط، بل بما يتشاركه أفراده من معايير غير مكتوبة حول ما يليق وما لا يليق، ما يُحترم وما يُستهجن. وحين تتغير هذه المعايير تحت ضغط الصورة المتكررة والمحتوى السائد، يفقد المجتمع لغته القيمية المشتركة، ويصبح الاختلاف في السلوك ليس تنوعا، بل اضطراب في البوصلة الأخلاقية التي كانت تجمع أفراده دون اتفاق معلن.
في هذا السياق، يتضح لماذا لا يُترك الإعلام دون تنظيم واع، ولماذا تقوم الجهات التنظيمية بدور محوري في توجيه رسالته. فوزارة الإعلام مشكوره تؤدي دورا أساسيا في صياغة السياسات الإعلامية التي تحافظ على الهوية الثقافية وتعزز القيم الدينية والأخلاقية في المحتوى الإعلامي، لم يقتصر دورها على الإشراف العام، بل امتد إلى وضع الإستراتيجيات، ومراجعة الأداء الإعلامي، وضمان اتساق الرسائل مع المصلحة العامة، والتعريف بالهوية السعودية ونشرها، ومواجهة المعلومات المغلوطة، وتعزيز صورة المملكة محليًا ودوليًا.
ويتكامل هذا الدور مع مهام الهيئة العامة لتنظيم الإعلام التي تتولى تنظيم القطاع إعلاميًا بشكل مباشر، عبر إصدار التراخيص، ومراقبة المحتوى المرئي والمسموع والرقمي، وتنظيم الإعلانات، وضبط الممارسات الإعلامية وفق أنظمة واضحة تشترط احترام القيم الدينية والثقافية والاجتماعية للمملكة.
هذه المنظومة التنظيمية لا تهدف إلى تقييد الإعلام بقدر ما تهدف إلى توجيهه، ليكون رافعةً للقيم لا معولاُ لتآكلها.
فالإعلام حين يُدار بلا ضوابط، يتجه بطبيعته نحو ما يجذب الانتباه سريعًا، ولو كان على حساب العمق القيمي. أما حين يُدار وفق رؤية أخلاقية واضحة، فإنه يتحول إلى أداة لبناء مجتمع أكثر وعيًا، وأكثر تماسكًا، وأكثر اعتزازًا بهويته.
الإعلام يشبه النهر الجاري في قلب المجتمع؛ إن كان ماؤه نقيًا، سقى القيم وأحيا الوعي، وإن تلوث، تسربت شوائبه إلى كل بيت وكل عقل. هو ليس خيرًا مطلقًا ولا شرًا مطلقًا، بل أداة تتشكل وفق القيم التي تحكمه، والوعي الذي يديره.
ومن هنا تبدأ المسؤولية الحقيقية: ليس في امتلاك المنصة، بل في وعي الرسالة، وإدراك أن كل صورة، وكل كلمة، وكل مشهد، يترك أثرًا تراكميًا يتجاوز اللحظة، ليُعيد تشكيل الوعي الجمعي للمجتمع بأكمله.