ستهدأ «العلاقات» مع الإمارات، وتنتهي الخلافات؛ لكن صورة الإمارات الأخلاقية التي فضحتها الأزمة، وفضحتها مؤامراتها على الشعوب العربية، أكبر من أنْ تُمْحَى، في ذاكرة شعوب تسامح، ولا تنسى الإهانة. إن أكبر خطر تواجهه الإمارات هو أنها نحرت صورتها من الوريد إلى الوريد، خصوصًا حينما قامت بخيانة كل الباحثين والكتاب والمثقفين المهتمين بمجالات حركات وتنظيمات الإرهاب والتطرف، بعد أن اتضح أن جزءًا كبيرًا من حربها المزعومة على جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، إنما هو لتمرير أجندة «عابرة للحدود» لتمزيق الدول وتفكيك النسيج العربي والإقليمي، في سبيل أن تحقق إسرائيل السيادة الإقليمية، على أمل أن تجد لها دورًا خلف الكيان الصهيوني في مستقبل الشرق الأوسط يتجاوز الدول المؤثرة، والفاعل الحقيقي في المنطقة. هذه الخيانة الأخرى، ما هي إلا صورة لسردية مضللة، أضحت معها مفاهيم مثل: «الإرهاب العابر للحدود» يثير الريبة والتحفظ الشديد بعد أن كانت الوصف الأدق، والعبارة المفضلة لكل الخبراء والباحثين في توصيف فعل تنظيمات الإسلام السياسي، وهذه لم تكن خيانة سياسية فحسب، بل خيانة معرفية لحقول: دراسات الإرهاب، ومكافحة التطرف، وتحليل الإسلام السياسي، أي إنها خيانة للخطاب البحثي قبل أن تكون خيانة للتحالفات والعهود والمواثيق. ليست أخطر الخيانات في التاريخ السياسي العربي تلك التي كُشفت لاحقًا عبر وثائق أو تسريبات، بل تلك التي ترتكب باسم المعرفة، وتحت لافتة مكافحة التطرف، ومحاربة الإرهاب، وعلى حساب العقل التحليلي العربي قبل أن تكون على حساب الدول والمجتمعات، ومن هذا الباب تحديدًا، يمكن فهم التجربة الإماراتية بوصفها الخيانة الأخرى، خيانة المفهوم قبل خيانة الموقف، الخيانة الأخرى حينما جعلت لأزلام الجماعة الإرهابية فرصة سانحة في أزمة العلاقات هذه، أن يطلوا برأسهم من جديد، وأن يتجدد لديهم الأمل الزائف في إمكانية التقدم ولو بخطوة وكأننا لم نكتفِ بالمندسين منهم بيننا الآن، الذين أضحوا أوجهًا إعلامية وثقافية ملء السمع والبصر. على مدى سنوات ممتدة، قدمت الإمارات نفسها باعتبارها رأس الحربة في الحرب على جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، وعلى ما سُمي «الإرهاب العابر للحدود»، في خطابٍ وجد قبولًا واسعًا في مراكز دراسات ومنصات إعلامية، حتى تحول إلى ما يشبه الإجماع التفسيري لكثير من أزمات الإقليم، غير أن تراكم الوقائع، لا تبدل المزاج السياسي، كشف أن هذه الحرب لم تكن مشروعًا مبدئيًا لحماية الدولة الوطنية، بقدر ما كانت مظلة خطابية وسردية مضللة؛ لتمرير مسار تفكيكي أوسع. وكأننا نسينا أن عملية غسيل مخ صحويي أزمة الخليج 1990 في السعودية انطلقت من الإمارات، تحت سمع وبصر الإماراتيين، حينما كان يصدر منها منشورات «مجلة العين» السرية، التي لم تكتشفها الإمارات إلا بعد 1996، وظلت بعد ذلك مرحبة بكل أطياف الإسلام السياسي بلا استثناء، حتى جاء الزمان الأسود زمان «الحريق العربي»، وهنا تبدلت الأجندة الإماراتية، ولكنها تبدلت مع الجميع. وحري بي القول، إنه لا يمكن المضي في أي تحليل جاد من دون تنظيف المصطلحات، فحين تُستنزف الكلمات حتى تفقد معناها، تتحوّل المعرفة إلى أداة تضليل، فمصطلحات مثل: «الإرهاب»، و«التطرف»، جرى استخدامها بقدر كبير من السيولة جعلها صالحة لتبرير أي تدخل، وأي تفكيك، وأي فوضى، وهنا تحديدًا، وقعت الخيانة المعرفية، حيث لم تعد المصطلحات تشرح الواقع، بل تُخفيه. تنظيف المصطلحات يفرض علينا قول الحقيقة كاملة: فجماعة الإخوان المسلمين، جماعة إرهابية بالمعنى التنظيمي والوظيفي، تمتلك شبكات عابرة للحدود، وأذرعًا مالية، وأدوات تعبئة اجتماعية وإعلامية، وقدرات عالية لاختراق المؤسسات والنقابات والكيانات، ولها قدرة فائقة على اختراق الدين والثقافة والتعليم في البلدان التي يتركز عملها فيها، وفي بعض السياقات، تفوق قدراتها قدرات بعض الدول من حيث الإمكانيات والكوادر، ومن حيث المرونة والانتشار والعمل الشبكي. لكن هذه الحقيقة لا تُسوغ الكذبة الكبرى، والسردية المضللة، التي انطلت علينا، لثقتنا بالصديق والشقيق، فالجماعة الإرهابية، على خطورتها، ليست خطرًا وجوديًا على الدولة الوطنية، كما صورته تلك السردية المضللة؛ لسبب جوهري ألا وهو ما تعانيه الجماعة من غباء إستراتيجي مزمن، متمثل في العجز عن فهم جوهر الدولة الحديثة، والفشل الذريع في إدارة السلطة، وسوء التقدير لموازين القوة، وانغماس أيديولوجي يجعلهم غير قادرين على بناء مشروع حكم مستقر أو إدارة دولة أو الحفاظ على وحدة مجتمع، على الأقل في المرحلة الراهنة، وبعبارة أوضح: الجماعة الإرهابية قادرون على التخريب والاختراق، لكنهم عاجزون عن هدم دولة وطنية متماسكة من تلقاء أنفسهم. المشكلة لم تكن في محاربة الجماعة الإرهابية، بل في تحويلهم إلى ذريعة مطلقة، هنا جرى القفز من مكافحة تنظيم إرهابي إلى تفكيك الدولة نفسها بحجة منع سقوطها في يده، وفي هذا التحول، تتجسد الخيانة الأخرى، ففي ليبيا، لم يكن الإخوان هم من دمر الدولة، بل عسكرة الصراع وتفكيك المؤسسات تحت شعار «محاربة الإرهاب»، وفي اليمن، لم تكن الجماعة سبب الحرب الأهلية، بل استخدام فزاعة الإخوان لتفجير صراعات داخلية وتمزيق الجغرافيا السياسية، وفي أكثر من ساحة عربية، أُدخلت المجتمعات في حروب أهلية وصراعات داخلية، لا لأن الإخوان قادرون على إسقاط الدولة، بل لأن محاربتهم استُخدمت كأكذوبة لتبرير الهدم الشامل.
الأخطر من التحولات السياسية كان ما تعرض له حقل دراسات الإرهاب والإسلام السياسي من تشويه منهجي، حينما وجد عدد من الباحثين أنفسهم جزءًا من سردية سياسية مُعلبة، لا مشروعًا تحليليًا مستقلًا، ومع الوقت، لم تعد الدراسات تُفكك الظاهرة، بل تُشرعن نتائجها السياسية، وهكذا، تلوّثت المعرفة، وصارت المصطلحات أسلحة خطابية لا أدوات فهم. تفكيك الدول العربية، وإنهاك جيوشها، وتحويل مجتمعاتها إلى ساحات صراع داخلي، لا يخدم مواجهة الإخوان، بل يخدم مسارًا واحدًا، هو تهيئة الإقليم لهيمنة إسرائيلية مستقرة وغير مكلفة. ففي إقليم ممزق، تصبح إسرائيل الدولة الأكثر تماسكًا، والأقوى أمنيًا، والأقدر على فرض شروطها، وتنشأ على ضفاف ذلك قوى إقليمية هامشية وثانوية بدور وظيفي يتجاوز حجمها الطبيعي، جغرافيًا وسياسيًا واقتصاديًا. وفي هذا السياق، يتحدد الدور الإماراتي بوصفه دورًا هامشيًا لا قياديًا، لتمرير مسارات التفكيك تحت شعارات براقة، وليس بناء مشروع إقليمي يحمي الدولة الوطنية ويحصنها.
الأكثر دلالة أن هذا المسار لا يكتفي بتدمير الدول الهشة، بل يعمل على محاولة تحجيم الدول المركزية في الإقليم: السعودية بثقلها السياسي والاقتصادي والعسكري والديني، ومصر بوزنها التاريخي والجغرافي، وتركيا بقدرتها العسكرية وموقعها الجيوسياسي، ومستقبلًا سوريا والعراق إذا ما استعادت الدولة الوطنية فيهما عافيتها. اليوم، لم يعد خطاب «الإرهاب العابر للحدود» يمر بسهولة، ولم يعد الباحث الجاد يتلقاه كحقيقة مسلم بها، بل كمصطلح يحتاج إلى تنظيف ومساءلة، ولم يعد شعار «محاربة الإخوان» كافيًا لمنح الشرعية لأي مسار سياسي إذا كانت نتائجه تفكيك الدولة لا حمايتها. إن أخطر ما تواجهه المنطقة اليوم ليس جماعة إرهابية بعينها، بل تزييف المعركة نفسها، فحين تُستخدم محاربة تنظيم إرهابي ذريعة لهدم الدولة، وحين تلوث المصطلحات لتبرير الفوضى، نكون أمام خيانة ليس للسياسة فقط، بل للعقل والمعرفة والمستقبل، وتلك، بحق، الخيانة التي لا تُغتفر.
Source link