إن الحضارة إنسانية الحياة على الأرض، والحب حياة الإنسانية من الأرض.. من هنا أستطيع أن أعرف الحضارة، كونا وتكويناً وكيانا، بأنها لن تكون إلا بهذا التعريف.. أعني أن الحضارة إنسان ومكان وزمان.. فإذا لم يكن هذا المثلث قد اجتمع لإنسان في الأرض الواحدة المتحدة التي هي مكانه، والتي امتد به زمانه، فإنه لن يكون حضارياً.
فالعرب من عهد قحطان، عادياً وثمودياً وفرعونياً وكنعانياً وفينيقياً، صنعوا الحضارة على أرضهم سواء في حجر ثمود، أو في إرم ذات العماد وفرعون ذي الأوتاد (الأهرامات) أو في أبجدية الفينيقيين وأرجوانهم، أو في حدائق بابل، أو في ما صنع ساكن الشام في بعلبك، وما حفلت به الأساطير. كل ذلك كان عمل إنسان استطاع أمد وجوده على الأرض. كما امتد زمنه فيها وعليها وبها.
فالادعاء بأن قوما لهم حضارة كذبة افتراها الادعاء المغلف بغفلة السامعين لذلك، لأن فلانا وهو إنسان بلا شك، لكن ليس له مكان قد أقام فيه زمنا يبدي فيه معلما حضارياً. فقد فقد الزمان والمكان.. المكان ما تبعثر به وجوده في الدنيا كلها.. والزمان قصير جداً في فلسطين.. وقصير جداً في أي أرض.. وحتى لو امتد زمن في أرض كإسبانيا مثلاً، فإنه وقد تكتل في سراديب بعيداً عن إنسان الأرض التي ساكن أهلها، كل ذلك لم يمكنه أي دور له ليكون صانع الحضارة.
بينما العرب في الأندلس اتخذوا المكان واستقروا فيه، وطال بهم الزمن فصنعوا الحضارة المشرقة التي لا تزال يشع نور برهانها على أن العربي هو الذي صنعني، وأن اليهودي وقد أقام معي لم يصنع شيئا.
نيوتن العلامة الحضارية لم يكن اكتشافه للجاذبية معدوداً في ثبت اليهود، وإنما هو في ثبت الحضارة الإنجليزية.. وأينشتاين ما كان – ولن يكون – في ثبت الحضارة اليهودية، لأنه في ثبت حضارة الألمان، لترثه الحضارة الأمريكية. أما الحب فقد ضاع حين ابُتذل الجمال، وحين استرجلت الأنثى، وحين استنوق الجمل.
فهاتان الكلمتان، الحضارة والحب، ليست المأساة أن ضاعا بهذه الصورة، وإنما المأساة أو الكارثة أن يضيع الإنسان من حياة الحياة إلى عيش قد ترتفع عنه بعض الحيوانات.
1982
* كاتب وصحفي سعودي «1906 – 1992»