في مستوىً أعمق، يُمكن قراءة الديجيتوفوبيا بوصفها شكلاً من أشكال القلق الوجودي الذي يُصاحِب لحظات التحوُّل الحضاري الكبرى. فالخوف هنا لا يَنبع من تسارُع التكنولوجيا أو من مخاطر الذكاء الاصطناعي فقط، بل من اهتزاز التصوُّرات الأساسيّة التي شكَّلت معنى الإنسان لذاته عَبْرَ التاريخ: العمل، والمعرفة، والزمن، والاختيار. وحين تتولّى الأنظمةُ الذكيّة مهامَّ التذكّر والتخطيط والتوقُّع، بل وصَوْغ البدائل المُمكنة، يَتراجع المجال الذي كان الإنسان يُمارِس فيه حريّته بوصفها تجربةً داخليّة لا مجرّد استجابةٍ محسوبة. ومن ثمّ، تُعبِّر الديجيتوفوبيا عن خشيةٍ أن يتحوَّل الوجود الإنساني إلى معطىً قابلٍ للقياس والتحسين المُستمرّ، وأن تُختزَل التجربة البشريّة في منطق الأداء والكفاءة على حساب المعنى والتردُّد والشكّ، وهي عناصر شكَّلت تاريخيّاً جوهر الخبرة الإنسانيّة. بهذا المعنى، فإنّ الديجيتوفوبيا ليست خَوفاً من الآلة، بل قلقاً على الإنسان نفسه، وعلى حقّه في أن يظلّ كائناً ناقصاً، قابلاً للخطأ، ومفتوحاً على الاحتمال.
الديجيتوفوبيا كظاهرة اجتماعيّة لا كخللٍ فرديّ
في المُقارَبة السوسيولوجيّة، لا يُنظر إلى الديجيتوفوبيا بوصفها حالة نفسيّة معزولة أو خَللاً في التكيُّف الفردي، بل بوصفها ظاهرةً اجتماعيّة تُعبِّر عن اختلالٍ في العلاقة بين الإنسان ومنظوماته التقنيّة. فالخوف من الرقْمنة يَنشأ حين تتحوّل التكنولوجيا من أداة مساعدة إلى بنية مهيْمنة تُعيد تنظيم العمل والمعرفة والسلطة، من دون مشاركة اجتماعيّة كافية في تحديد مسارات هذا التحوُّل.
ومن هذا المنظور، يُمكن فهْم الديجيتوفوبيا بوصفها شكلاً من أشكال المُقاوَمة الصامتة لوتيرة التغيير، ولإحساس مُتنامٍ بفقدان السيطرة، ولا سيّما في مجتمعاتٍ تَشهد انتقالاً رقميّاً غَير متكافئ أو غَير مصحوبٍ في إطارٍ ثقافيٍّ تفسيريّ.
الذكاء الاصطناعيّ وتفاقُم الديجيتوفوبيا
مع صعود أنساق الذكاء الاصطناعي، تَكتسب الديجيتوفوبيا أبعاداً جديدة وأكثر تعقيداً. فالخوف لم يَعُد مقصوراً على صعوبة الاستخدام أو تعقيد الأدوات، بل امتدَّ إلى القلقِ من نقْلِ الفعل والقرار من الإنسان إلى الخوارزميّة. وحين تُصبح الخوارزميّات شريكاً في اتّخاذ القرار، أو وسيطاً في تقييم الأفراد وتصنيفهم، يتعزَّز الشعور بأنّ الإنسان يَفقد موقعَهُ المركزي في الفعل الاجتماعي.
في هذا السياق، تتغذّى الديجيتوفوبيا من مخاوف مشروعة تتعلّق بالشفافيّة، والمُساءَلة، وحدود المسؤوليّة الأخلاقيّة للأنظمة الذكيّة، بخاصّة حين تُقدَّم هذه الأنظمة بوصفها أكثر كفاءةً من الحُكم البشري، لا بوصفها مُكمِّلةً له.
البُعد الثقافيّ للديجيتوفوبيا
ثقافيّاً، تُعبِّر الديجيتوفوبيا عن قلقٍ عميقٍ من تحوّلاتٍ تمسّ معنى العقل، والإبداع، والهويّة. فالثقافة الرقميّة، المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، تقوم على السرعة، والتشظّي، وإعادة إنتاج المحتوى، وهو ما يُضعِف السرديّات الثقافيّة المستقرّة، ويُثير الخوفَ من تآكُل المعنى لمصلحة التدفُّق المستمرّ للمعلومات.
وفي السياق العربي، تتقاطع الديجيتوفوبيا مع أسئلةٍ مؤجَّلة حول الحداثة، واستيراد النماذج التقنيّة من دون امتلاك أدوات نقْدها أو مواءمتِها ثقافيّاً. ويُسهِم هذا الوضع في تحويل الرقْمنة إلى تجربةٍ استهلاكيّة مُثقلة بالقَلق، بدلاً من أن تكون مشروعاً معرفيّاً تحرُّريّاً. الديجيتوفوبيا وتحوّلات الوعي اليوميّ
لا تتجلّى الديجيتوفوبيا في المواقف المُعلَنة أو الخطابات النقديّة تجاه الرقْمنة فحسب، بل تتسرّب أيضاً إلى تفاصيل الوعي اليومي، في شكلِ توتّرٍ خفيّ يُرافِق الاستخدامَ المُستمرّ للتكنولوجيا. فالتعامُل اليومي مع التطبيقات الذكيّة، وأنظمة التوصية، والمساعدات الرقميّة، يَفرض على الفرد إيقاعاً معرفيّاً ونفسيّاً جديداً، يقوم على التفاعُل السريع، والتقييم المُستمرّ، والمُقارَنة الدائمة. وفي هذا السياق، يتحوَّل الخوف من الرقْمنة إلى شعورٍ مُبهم بفقدان المسافة بين الذّات والأداة، وبين القرار الشخصي والاقتراح الخوارزمي، وهو ما ينعكس في إرهاقٍ ذهني متزايد، وتراجُع القدرة على التركيز، وحنينٍ مُتنامٍ إلى أنماطٍ أكثر بساطة في العيش والتواصُل.
الديجيتوفوبيا وسؤال المسؤوليّة الثقافيّة
تَطرح الديجيتوفوبيا، في أحد أبعادها العميقة، سؤالَ المسؤوليّة الثقافيّة في مُواجَهة التحوُّل الرقمي. فغياب النقاش العمومي الرصين حول مخاطر الذكاء الاصطناعي والإدمان الرقمي، وحصْر هذه القضايا في دوائر تقنيّة أو إعلاميّة سطحيّة، يَترك الأفراد أمام تجربةٍ رقميّة مفروضة من دونِ أُطرٍ للفهم أو النقد. ومن هنا، تَبرز الحاجة إلى دورٍ فاعل للمؤسّسات الثقافيّة، والإعلام الفكري، والبحث الاجتماعي، في تأطير هذا القلق، وتحويله من خوفٍ مُعطِّل إلى وعيٍ نقديٍّ مُنتِج. فالديجيتوفوبيا، حين تُفهَم وتُناقَش، يُمكن أن تتحوَّل من حالةٍ دفاعيّة إلى مدخلٍ لإعادة التفكير في شروطِ إنسانيّةِ الرقْمنة، وفي حدود ما ينبغي للتكنولوجيا أن تقوم به، وما يَجب أن يبقى مجالاً للخبرة الإنسانيّة الحرّة.
وجهان لقلقٍ واحد
قد يَبدو الخوف من الرقْمنة نقيضاً للإدمان الرقمي. غير أنّ الظاهرتَيْن تَشتركان في الجذر نفسه. فالديجيتوفوبيا تُعبِّر عن الخوف من فقدان السيطرة على التكنولوجيا، بينما يَكشف الإدمانُ الرقمي فقدانِ السيطرة بالفعل. وفي الحالتَيْن، يكون القلق موجَّهاً نحو تآكلِ الاستقلال النفسي، وتحوُّلِ الانتباه إلى مَوردٍ يُستثمَر فيه اقتصاديّاً عَبْرَ خوارزمياتٍ مصمَّمة لإطالةِ زمنِ التفاعُل.
ومن هنا، لا تُمثِّل الديجيتوفوبيا رفضاً للاستخدام بقدر ما تُعبِّر عن خوفٍ من الارتهان، ومن ذوبان الحدود بين الحياة الخاصّة والفضاء الرقمي.
الديجيتوفوبيا والسلطة الرقميّة
تتّخذ الديجيتوفوبيا بُعداً سياسيّاً حين تَرتبط بمخاوف المُراقَبة، وجمْع البيانات، والتطبيع مع أنماطٍ جديدة من الضبط الاجتماعي. فالذكاء الاصطناعي يُعيد صَوْغ السلطة في شكلٍ ناعم وغير مرئي، قائم على التنبّؤ بالسلوك وتوجيهه بدلاً من قمْعه المباشر.
وفي مجتمعاتٍ تُعاني هشاشة الثقة بين الفرد والمؤسّسات، تتحوَّل هذه المخاوف إلى أرضٍ خصبة لتفاقُم الديجيتوفوبيا، حيث يُنظَر إلى الرقْمنة بوصفها امتداداً أكثر تعقيداً للسيطرة، لا فضاءً للتمكين والمُشارَكة.
البديل عن الخوف
تجاوُز الديجيتوفوبيا لا يَعني إنكارَ مخاطر الذكاء الاصطناعي أو الإدمان الرقمي، بل يتطلَّب الاعترافَ بها وإدماجَها في نقاشٍ ثقافيّ عامّ. فالبديل عن الخوف ليس التسليم، بل الوعي النقدي، وبناء ثقافة رقميّة إنسانيّة تُعيد الاعتبار للمعنى، والحدود، والمُساءَلة الأخلاقيّة. ويَتطلّب ذلك إعادة تصميم العلاقة مع التكنولوجيا، لا بوصفها قدراً حتميّاً، بل خياراً حضاريّاً يَخضع للمناقشة والتوجيه، ويَضع الإنسانَ في مركز التحوُّل الرقمي، لا على هامشه.
في المحصّلة، تَكشف الديجيتوفوبيا، في سياق الذكاء الاصطناعي والإدمان الرقمي، أزمةٍ أعمق من الخوف من التكنولوجيا؛ إنّها أزمةُ علاقة الإنسان بعصرِه، وبسرعة تحوّلاتِه، وبحدود قُدرتِه على التكيُّف من دون أن يَفقدَ ذاتَه. ومن ثمّ، فإنّ مُعالَجة الديجيتوفوبيا ليست شأناً تقنيّاً، بل مهمّة فكريّة وثقافيّة بامتياز، تتطلَّب إعادة التفكير في معنى التقدُّم، والدَّور الذي نريده للتكنولوجيا داخل مجتمعاتِنا.
* مدير مركز الدراسات الإستراتيجيّة – مكتبة الإسكندريّة
* يُنشر بالتزامن مع دورية «أفق» الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي