من هنا، يكتسب إطلاق ميثاق «وحدة الخطاب الإسلامي» من قبل وزارة الأوقاف السورية، بالتوازي مع إصدار مدونة للسلوك الإعلامي برعاية وزارة الإعلام، دلالة تتجاوز الإطار الديني أو المهني الضيق، لتدخل مباشرة في صلب قضية السلم الأهلي.
العنوانان مطمئنان: وحدة، اعتدال، منع تحريض، حماية للنسيج الاجتماعي. في بلد أنهكته الحرب والانقسامات، تبدو الحاجة إلى خطاب أقل توترًا وأكثر مسؤولية أمرًا بديهيًا. لا أحد يجادل في أن خطاب الكراهية سمٌّ بطيء، وأن المنابر – دينية كانت أم إعلامية – يمكن أن تشعل نارًا بكلمة، أو تطفئها بكلمة أخرى.
الميثاق يسعى إلى ضبط الخطاب الديني ضمن مرجعية جامعة، بعيدًا عن التوظيف الحزبي أو الطائفي، مع التشديد على حرمة الدم ونبذ الفتنة، والمدونة الإعلامية تحاول رسم حدود مهنية تمنع الإثارة والتحريض والتشهير. من حيث المبدأ، نحن أمام مسارين متكاملين: الأول ينظّم مضمون الخطاب الديني، والثاني ينظّم آليات تداوله في الفضاء العام.
لكن ما يجري على الأرض يكشف أن المسألة أعقد من مجرد عناوين. تصريحات الممثل السوري سامر كحلاوي حول مسلسل «القيصر» أعادت النقاش إلى نقطة حساسة، فحديثه عن حذف مشاهد تتضمن شتائم مباشرة للنظام السابق، وعن منع استخدام لهجة إحدى الطوائف التي ينتمي إليها غالبية ضباط نظام الأسد في الأفرع الأمنية والسجون، بذريعة «السلم الأهلي»، يضعنا أمام مفارقة واضحة: هل المطلوب تهدئة النفوس أم إعادة صياغة الذاكرة؟
حماية السلم الأهلي هدف مشروع، بل ضرورة. لكن السلم لا يقوم على تجميل الماضي أو حذف تفاصيله المزعجة. ثمة فرق بين منع التحريض على جماعة اجتماعية، وبين منع توصيف واقعة درامية أو لهجة جغرافية كانت جزءًا من سياق سياسي وأمني معروف، فالمجتمعات لا تتعافى بطمس الندوب، بل بفهم أسبابها وسياقاتها حتى لا تتكرر.
هنا تحديدًا تبرز نقطة مفصلية، فمدونة السلوك الإعلامي تقدم تعريفًا واضحًا لخطاب الكراهية، وتحدد معايير مهمة للنظر في سياق الكلام ونيّة المتحدث ومدى تأثيره واحتمال وقوع الضرر.
من الناحية النظرية، الإطار موجود ومتقن. لكنه يحتاج إلى تطبيق عملي واضح يضمن عدم اختلاط مكافحة خطاب الكراهية مع تقييد النقد المشروع أو سرد الحقائق، فمن الذي يقرر أن هذا المشهد تحريض، وأن ذاك توصيف درامي؟ ومن يفصل بين خطاب كراهية ونقد سياسي؟ وكيف يُمنع التوسع في التأويل بحيث لا تتحول مكافحة الكراهية إلى مظلة عامة يمكن إدراج أي تعبير حساس تحتها؟
لهذا، فإن الميثاق والمدونة يحتاجان إلى أكثر من صياغة جيدة، يحتاجان إلى إطار قانوني واضح يحدد جهة الاختصاص وآليات الفصل، وإلى مسار تنفيذي شفاف وسهل يتيح تقديم الشكاوى ضد أي خرق، سواء من خطيب على منبر أو من إعلامي على شاشة، لأن وجود تعريف دون آلية مساءلة واضحة قد يجعل النصوص عرضة لاجتهادات متباينة، وربما انتقائية.
السلم الأهلي ليس حالة صمت، بل حالة توازن بين حق الناس في أن يتكلموا بصدق عن تجاربهم المريرة، وبين واجبهم في ألا يحوّلوا الألم إلى تحريض، وهو أيضًا توازن بين دور الدولة في التنظيم، وواجبها في ألا تتحول إلى وصيّ على الذاكرة.
الميثاق ومدونة السلوك يمكن أن يكونا بداية مهمة نحو خطاب أكثر نضجًا ومسؤولية، لكن نجاحهما لن يُقاس بعدد البنود المكتوبة، بل بمدى وضوح الإطار القانوني الذي يسندهما، وبسهولة الوصول إلى آليات الشكوى والمحاسبة، وبالثقة التي يمنحانها للناس بأن الكلمة لن تُستخدم لإشعال الفتن، ولن تُصادر أيضًا تحت عنوان حمايتها.
في النهاية، المسألة ليست فقط كيف نمنع الكراهية، بل كيف نبني مساحة عامة يتجاور فيها الاختلاف مع الاحترام، والحقيقة مع الحكمة. وفي هذا التوازن الدقيق، يتحدد إن كانت هذه الخطوات بداية تحول فعلي في إدارة الخطاب العام، أم مجرد عناوين مطمئنة في زمان صعب وحساس.
الجرح عميق، ولا تعبر عنه أي كلمات، ولا تعالجه مدونة أو ميثاق وحدهما، لكن وضع قواعد عادلة وواضحة للكلمة قد يكون الخطوة الأولى في طريق طويل نحو التعافي، طريق يقوم على الاعتراف بالحقيقة، وضبط الانفعال بالقانون، وبناء ثقة عامة بأن حماية السلم الأهلي لا تعني دفن الذاكرة، بل إدارتها بعدلٍ ومسؤولية.
وهذا المسار لا يكتمل من دون معالجة جدية لملف العدالة الانتقالية، بما يضمن كشف الحقائق، وإنصاف الضحايا، وترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب، لأن أي خطاب جديد لن يصمد طويلًا إذا لم يسنده شعور عام بأن العدالة تسير بالتوازي مع المصالحة.