قبل شهر من الآن نشر الكاتب الأمريكي الشهير «ديفيد بروكس» مقاله الأخير مودعا قراءه في صحيفة «نيويورك تايمز»، بعد سنوات طويلة من كتابة الرأي، وتطرق لموضوعات عدة لخصت تجربته العميقة في عالم كتابة الرأي، متحدثا بشكل خاص عن فقدان «السردية المشتركة» التي تمنح المجتمع قدرة طبيعية على فهم ذاته، وأشار إلى أن الإنسان يستطيع التعايش مع الاختلافات الفكرية أيا كان نوعها، لكنه يعجز عن التعايش مع الفراغ المعنوي، ذلك الفراغ الذي يجعل من كل رأي آخر تهديدا له، وكل نقاش يبدو صراعا وجوديا.
ومن هذه الزاوية نستطيع أن ننظر بشكل خاص إلى مجتمعنا في السعودية، والتفكير في السرديات المشتركة التي تجمعه، ولا يخشى معها الاختلاف، لمعرفته أن التنوع يحدث داخل إطار كبير من الانتماء. نرى ملامح هذه السردية المشتركة بوضوح في اللحظات التي يجتمع فيها الناس حول معنى مشترك يتجاوز التفاصيل اليومية، أحدها على سبيل المثال القريب احتفالات يوم التأسيس السعودي التي لم تكن مجرد استذكار تاريخي، بل تجربة وجدانية أعادت ربط الأفراد بقصة ممتدة عبر ثلاثة قرون. قصة نشوء وتحول واستمرار يشعر فيها الفرد بأنه امتداد لمسار أكبر منه.
كما نعيش هذه الأيام مشهدا مماثلا لسردية مشتركة بين أبناء هذا المجتمع خلال أيام وليالي رمضان المبارك، ففيه تتشكل حياتنا اليومية حول إيقاع روحي واجتماعي واحد؛ تتقارب العائلات، وتزداد المبادرات الاجتماعية، وتتشابه وتتشابك أكثر من سردية واحدة في كل جزء من هذا الوطن الشاسع، لتولد سردية دينية وثقافية تجعل الاختلافات الفردية أقل حدة أمام هذا الشعور الجماعي بالمعنى المشترك.
وجود السرديات المشتركة لا يعني ضمان استمرارها تلقائيا ما لم تكن هناك ممارسات تعيد إنتاجها باستمرار، مثلها مثل أي مؤسسة أو إدارة تحتاج قيادة واعية تستطيع أن توجه المعنى العام لفريق العمل من خلال بناء الأُطر التي تسمح بالاختلاف الآمن، وتؤكد أن تنوع الآراء جزء من قوة العاملين لا مؤشر على ضعفه. لهذا تتوزع المسؤوليات على كثير من الجهات التي تؤثر بشكل مباشر في المجتمع، لتعزيز سرديتنا الوطنية والدينية والثقافية، كل حسب دوره وممارساته وطرائق وصوله.
ففي المؤسسات التعليمية على سبيل المثال لا ينبغي أن يقتصر دورها على نقل وبناء المعرفة، بل بناء الوعي العام لدى الطلبة، ومعرفة موقعهم داخل القصة الوطنية والثقافية، وربط القيم المشتركة بالممارسات اليومية، وتعزيز التفكير الناقد دون الانفصال عن الهوية، وطرح الرأي دون فقدان الانتماء، لنصل للتوازن الذي تحتاجه المجتمعات الحديثة، وتأسيس معنى إنساني مشترك.
وتلعب المؤسسات الثقافية والجمعيات الأهلية أدوارا أخرى مهمة مكملة، لتحويل القيم المجردة لواقع معاش، من فعاليات وطنية وبرامج مجتمعية وأنشطة تطوعية ينبغي أن تخرج من التأطير النظري، الذي يركز على الكم دون التوقف على الكيف وما بعده من تعزيز السرديات الثقافية الثرية التي نمتلكها في وطننا، والتي تبني وعيا إنسانيا مشتركا تجاه الجمال والفنون والتراث، وأهمية تداوله والحفاظ عليه.
ويقف الإعلام موقفا حساسا للغاية، إذ يُمكنه أن يعمق هذه السردية أو يضعفها؛ فبتقديمه للاختلاف -وليس بالضرورة أن يكون الاختلاف المقصود هنا الصراع بل التنوع- كسردية مشتركة داخل إطار الانتماء والهوية سيعزز النضج المجتمعي. إن الإعلام المسؤول لا يسعى إلى توحيد الآراء، بل إلى توحيد فهم الناس معنى اختلافهم.
وعلى مستوى الأفراد، تتجلى المسؤولية في السلوك اليومي البسيط: في احترام التنوع والقدرة على الاستماع للآخرين، وإدراك أن الانتماء لا يعني التشابه الكامل، بل في علاقات إنسانية تحمل معنى عميقا من التقبل والتواصل الإيجابي والتصالح مع الآخرين، والاتفاق على أن هناك قصصا مشتركة أكبر من أي اختلاف، وهي الوطن والدين والهوية.
أبرز ما يمكن استخلاصه من مقال بروكس التأملي الأخير هو أن المجتمعات التي تنجح في المستقبل ليست تلك التي تقل فيها الاختلافات لتشابهها، بل تلك التي تملك قصة مشتركة قوية تجعل من الاختلاف قيمة قابلة للإدارة الواعية. السعودية، بما تمتلكه من سردية وطنية ودينية وثقافية متداخلة، تملك أساسا متينا لهذا الوعي المتوازن، والحفاظ عليه يتطلب وعيا مستمرا بأن المعنى مسؤولية جماعية مشتركة تحقق الاستقرار المبني على معنى جامع، يجعل الجميع جزءا من القصة نفسها مهما تنوعت رؤاهم الداخلية.