لا يمكن فصل هذه الاعتداءات الإيرانية السافرة على السعودية عن السياق التاريخي القديم الذي انتهجته منذ ثورتها الذي اعتمدت فيه عبر السنوات الماضية في تنفيذ أجندتها العدائية للمملكة عبر أذرعها في المنطقة والتمدد بأدواتها غير المباشرة والمباشرة، وأولها دعم المليشيات المسلحة وشبكات النفوذ التي عملت على اختراق عدد من الدول العربية، حتى تحولت هذه الساحات إلى نقاط ضعف مستمرة تستهدف التوازن الإقليمي وتُبقي المنطقة في حال استنزاف طويل الأمد.
في هذا الإطار أدركت السعودية مبكرا أن استقرارها هو عامل التوازن الذي يعطل هذه المشاريع العدائية، وهذا ما يفسر تكرار محاولات إيران لاستدراج المنطقة نحو الصراع المسلح: من ضغط وتشويه إعلامي للحقائق، وتحركات مباشرة حاليا بالاستهداف المسلح للبنى التحتية والتجمعات المدنية بغرض بقاء المنطقة في مستوى مستفز مستمر لإحداث إرباك في القرار.
مقدرة المملكة -مسبقا وحتى الوقت الحالي- على قراءة الأنماط الإيرانية العدائية في المنطقة قبل اكتمالها والتعامل معها ضمن إطارها السيادي وقوتها الدولية التي تضع حماية الدولة وأمن المواطنين أهم أولوياتها هو الفارق الجوهري بين دولة إسلامية مسالمة وأخرى تدعي السلم. القرارات السعودية تدار وفق تقدير دقيق للأمور وموازنة بين متطلبات الردع وضرورات الاستقرار، والتأكيد على أحقية الدفاع عن النفس وحماية الحدود والمنشآت الحيوية وهو الحق السيادي الذي لا يقبل المساس، مع الإبقاء على أدوات القوة جاهزة للاستخدام ضمن حدود مدروسة تضمن تحقيق الهدف دون الانزلاق إلى مسارات استنزاف مفتوحة.
وبرغم ما تتعرض له السعودية من انتهاكات إيرانية عدائية تتنافى مع كل القيم الإسلامية التي تدعيها، ومع حقوق الجوار والمواثيق الدولية، ومع حرصها على الدفاع عن سيادتها وضبط النفس حتى اللحظة، فهي تستمر في أداء دورها الإقليمي باعتبارها ركيزة أساسية في دعم استقرار الخليج العربي، ففتحت مسارات لوجستية متعددة عبر مطاراتها وموانئها أسهمت في تأمين سلاسل الإمداد وضمان تدفق الموارد الحيوية، وهو دور يكتسب أهميته في لحظات الأزمات التي تتعرض فيها الدول الكبرى لضغوطات مستفزة، وتأكيد يعكس عمق الترابط بين دول الخليج حيث لا يمكن فصل أمن دولة عن أخرى ولا استقرار طرف عن استقرار المنظومة كاملة. كما يبرز في عمق هذه الأزمة حرص المملكة على الاستقرار والسلم بتشجيعها على فتح قنوات الحوار بين دول الصراع، وأن يقوم المجتمع الدولي بدوره في إنهاء هذه الحرب.
إن دفاع السعودية عن نفسها، ومواجهة العدوان الإيراني عليها لا يعني الاصطفاف مع أطراف أخرى في صراعات موازية، فالموقف السعودي ينطلق من أساس سيادي مستقل يضع أمن الدولة وحماية المواطنين في المقام الأول قبل أية اعتبارات أخرى، ويُبنى على قراءة دقيقة للمخاطر المحتملة بعيدا عن أي تبعية لمحاور خارجية. وفي هذا السياق لا يمكن تجاهل المواقف التي تتبناها بعض الدول سواء بالصمت أو الدعم المباشر أو غير المباشر تجاه الاعتداءات الإيرانية على المملكة ودول الخليج، وهي مواقف تسهم في تشجيع هذا السلوك العدواني وتكشف ازدواجية واضحة في التعامل مع تهديدات الأمن الإقليمي. حماية الوطن لا تختزل ضمن حسابات الاصطفاف ولا تقاس بردود فعل الآخرين وعواطفهم بل هي قرار سيادي صريح يفرض على الدولة اتخاذ ما يلزم للدفاع عن أمنها واستقرارها في مواجهة تهديدات مستمرة وعدوان صريح لا يمكن القبول بتطبيعه أو التخفيف من خطورته.
وعلى الصعيد الداخلي في المملكة؛ يتعزز هذا التوازن من خلال وعي المواطن الذي يمثل امتدادا لمنظومة الأمن الوطني حيث يشكل الالتزام بالتوجيهات الصادرة عن وزارة الدفاع السعودي والجهات المختصة أثناء هذه الأزمة عنصرا فاعلا في رفع مستوى الجاهزية العامة، ويعد إدراكا واعيا من الجميع بطبيعة المرحلة ومتطلباتها، وضرورة تكامل الأدوار والشعور بالمسؤولية والثقة في الجهود التي تقوم بها القوات المسلحة السعودية من عمل مستمر على مدار الساعة، لحماية حدود المملكة وتأمينها من العدوان الغاشم ضمن منظومة متكاملة محترفة تعكس مستوى متقدم من الكفاءة والانضباط.
نسأل الله أن يحفظ المملكة قيادة وشعبا وأن يحمي قواتنا المسلحة بالقطاعات كافة، ويوفقهم في أداء واجبهم بكل كفاءة واقتدار، وأن يديم الأمن والأمان على وطننا ويوفق قادته في ترسيخ السيادة وصون المكتسبات وتعزيز استقرار المنطقة.