ترجمة المدى
قدّم رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، يوم الاثنين، عفوًا للمقاتلين في قوات الدعم السريع إذا ألقوا أسلحتهم، مؤكدًا في الوقت نفسه أن الجيش السوداني والشعب سيواصلان القتال حتى تتم «هزيمة» قوات الدعم السريع و«تطهير» البلاد من هذه المجموعة.
وجاءت التصريحات خلال حفل تخريج دفعة جديدة من الضباط في الكلية البحرية بأم درمان، غرب العاصمة الخرطوم، وفق بيان صادر عن مجلس السيادة.
وأضاف: «ليس أمامنا خيار سوى مواصلة المعركة حتى نهايتها، أو أن يستسلم العدو ويُقضى عليه».
وجدد عرضه «العفو عن المقاتلين الذين تم تضليلهم»، مضيفًا: «أبواب التوبة مفتوحة، ونحن كسودانيين نتمسك بالقيم الأساسية اللازمة لإعادة توحيد الأمة».
وأشار البرهان أيضًا إلى أن القوات المسلحة لا تكنّ عداءً لأي طرف رفع السلاح نتيجة التحريض أو المعلومات المضللة، ودعا هؤلاء إلى إلقاء السلاح والعودة، مضيفًا أن أي شخص يختار الوقوف مع البلاد سيُرحب به.
وجاء في بيان لوزارة الخارجية السودانية، الاثنين، أن أي مقترح لإنهاء الحرب مع قوات الدعم السريع يجب أن يأخذ بعين الاعتبار المصالح العليا للبلاد وكذلك وحدة السودان وسلامة أراضيه، وأن أي مقترح أو مبادرة «لا يعني بالضرورة قبوله أو اعتماده من قبل الحكومة السودانية».
وأكدت الوزارة أن «أي مقترحات لإنهاء الحرب وتحقيق السلام يجب أن تراعي المصالح العليا للبلاد، والأمن الوطني للسودان، والسيادة الوطنية الكاملة، ووحدة أراضي السودان، ووحدة مؤسساته، وسلامة أراضيه».
وأضافت الوزارة أن «أي مقترحات لا تأخذ في الاعتبار المصالح العليا للبلاد لن يتم قبولها من قبل الحكومة، وبالتالي لن يتم تنفيذها».
كما شددت على أن السودان «دولة ذات سيادة وتتخذ مواقفها وقراراتها بناءً على مصالحها الوطنية العليا».
وكان مستشار أمريكي كبير، مسعد بولس، قد اقترح سابقًا استراتيجية من خمس ركائز لإنهاء الحرب في السودان، داعيًا إلى هدنة إنسانية فورية وانتقال إلى حكومة مدنية لمنع ما وصفه بـ«انهيار المؤسسات».
وفي كلمة أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، قال بولس إن واشنطن تعمل مع شركاء، من بينهم مصر والسعودية والإمارات وبريطانيا، للضغط من أجل وقف الأعمال العدائية دون شروط مسبقة. وأشار إلى أن الخطة تبدأ بهدنة فورية وإنشاء آلية أممية لمراقبة الوصول الإنساني، يليها مفاوضات مرحلية نحو وقف إطلاق نار دائم وترتيبات أمنية.
كما يحدد المقترح عملية سياسية منظمة تؤدي إلى حكومة انتقالية يقودها المدنيون، وفي النهاية انتخابات ديمقراطية، بالإضافة إلى جهود لإعادة الإعمار ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات خلال النزاع. وعلى مدى شهور، كانت الولايات المتحدة والسعودية، من خلال الرباعية الدولية التي تشمل أيضًا مصر والإمارات، تقود جهودًا لتحقيق هدنة إنسانية في السودان.
وفي سبتمبر/أيلول 2025، اقترحت الرباعية خطة تدعو إلى هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر في السودان، تمهيدًا لوقف إطلاق نار دائم، يليها عملية انتقالية شاملة لمدة تسعة أشهر تؤدي إلى حكومة مدنية مستقلة.
انتهاكات وفظائع قوات الدعم السريع
من جانب آخر، أكدت بعثة الأمم المتحدة للتحقق من الوقائع أن الفظائع التي ارتُكبت خلال حصار واستيلاء مدينة الفاشر من قبل مسلحي قوات الدعم السريع تحمل علامات «الإبادة الجماعية»، مستنكرة سلوكهم في دارفور خلال النزاع المستمر.
وكانت الفاشر، عاصمة شمال دارفور، قد سقطت بيد قوات الدعم السريع في نهاية أكتوبر/تشرين الأول بعد حصار دام 18 شهرًا، حُرم خلاله المدنيون بشكل منهجي من الغذاء والماء والرعاية الطبية والمساعدات الإنسانية. وقال المحققون إن الحصار الطويل أضعف المجتمعات المستهدفة عمدًا قبل الهجوم النهائي.
وقالت خبيرة بعثة التحقق من الوقائع، منى رشماوي: «إن مجموعة الأدلة التي جمعناها — بما في ذلك الحصار الطويل، والمجاعة، وحرمان المساعدات الإنسانية، تليها عمليات قتل جماعي واغتصاب وتعذيب واعتقالات قسرية، والإذلال المنهجي وتصريحات الجناة أنفسهم — لا تترك سوى استنتاج منطقي واحد. لقد تصرفت قوات الدعم السريع بنية تدمير، كليًا أو جزئيًا، لمجتمعي الزغاوة والفور في الفاشر. هذه هي علامات الإبادة الجماعية».
ويخلص التقرير إلى أن ثلاثة أعمال أساسية من أعمال الإبادة الجماعية، على الأقل، قد ارتُكبت، بما في ذلك قتل أعضاء من مجموعة عرقية محمية، والتسبب بأذى جسدي ونفسي جسيم، وفرض ظروف حياة محسوبة لإحداث تدمير جسدي للمجموعة كليًا أو جزئيًا.
لم يتمكن المحققون من دخول الفاشر مباشرة، لكنهم استندوا في نتائجهم إلى أكثر من 320 مقابلة مع الناجين، وتصريحات قادة قوات الدعم السريع، ومقاطع فيديو وصور فضائية مؤكدة. ويصف التقرير كيف قُتل الآلاف، لا سيما من مجتمع الزغاوة، أو اغتُصبوا أو اختفوا خلال ما وصفه بـ«ثلاثة أيام من الرعب المطلق» بعد سقوط المدينة.
وجدت بعثة الأمم المتحدة أن قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة نفذت عمليات قتل محددة عرقيًا وعنفًا جنسيًا واسع النطاق، بما في ذلك ضد الفتيات والنساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين سبع سنوات وسبعين عامًا. ووصف الناجون الهجمات التي نُفذت أمام أفراد الأسرة وفي مواقع وقعت فيها عمليات قتل جماعي مسبقًا.
وقال محمد شاندي عثمان، رئيس البعثة، إن العملية لم تكن نتيجة لأعمال عنف معزولة بل حملة منسقة.
وأضاف: «الحجم، والتنسيق، والتأييد العلني للعملية من قبل قيادات قوات الدعم السريع العليا يُظهر أن الجرائم المرتكبة في الفاشر وما حولها لم تكن تجاوزات عشوائية للحرب، بل شكلت جزءًا من عملية مخططة ومنظمة تحمل الخصائص التعريفية للإبادة الجماعية».
وحذرت بعثة الأمم المتحدة أيضًا من أن الهجوم على الفاشر يعكس استمرارًا لأنماط سابقة من العنف الموجه عرقيًا في دارفور، والتي تُنفذ الآن على نطاق أكثر فتكًا. وأكد المحققون أنه بالرغم من التحذيرات المتكررة من المجتمع الدولي، لم تُتخذ أي إجراءات فعالة لحماية المدنيين، مما ترك السكان بلا دفاع. اندلعت الحرب الأهلية في السودان في أبريل 2023 بعد صراع على السلطة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وقد نزح أكثر من 11 مليون شخص وقُتل عشرات الآلاف. وظهرت قوات الدعم السريع نفسها من ميليشيات الجنجويد التي ارتكبت فظائع جماعية في دارفور أوائل العقد الأول من الألفية، حيث قُتل مئات الآلاف وتشرد الملايين.
ودعت بعثة الأمم المتحدة للتحقق من الوقائع المجتمع الدولي إلى فرض وتوسيع حظر الأسلحة على دارفور، وفرض عقوبات مستهدفة، والتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، وإنشاء آلية قضائية لضمان المساءلة. وحذرت من أنه دون اتخاذ إجراءات عاجلة، فإن خطر ارتكاب المزيد من أعمال الإبادة الجماعية «يبقى خطيرًا ومستمرًا».
عن صحف ووكالات عالمية