وحَسَنٌ في الأخلاق أن نقول إننا مسؤولون عما نفعل، وفيما يلي بعض الخطوط التي أنقلها إلى القارئ الشاب عن مشروع حياتي أو خارطتها، فقد يكون فيها عبرة صغيرة إلى جانب الزّبد الكثير.
بدأت أرسم خارطة حياتي حوالي عام 1906 حين ساء الوسط العائلي، وكان يتعقبني بالعذاب «رجل نيوروزي» جعلني أبيت وأصبح في كرب لا يطاق، ففررت إلى أوروبا.
وهناك انبسطت لي آفاق، وحلمت أحلامًا ورأيت رؤِّى، وشرعت أدرس اللغتين الفرنسية والإنجليزية، واختلط بعناصر جديدة في المجتمعات والعائلات، وأقرأ من الكتب ما يشعّ النور في عقلي ويبعث الشجاعة في قلبي، فقررت من ذلك الوقت، وأنا حوالي العشرين أن أكون متمدنًا ومثقفًا. وقد مضى عليَّ نحو خمس وأربعين سنة وأنا أعاني الخصومات بسبب هذا القرار السري!
رأيت شعوبًا حرة، ورأيت جرائد تعالج المذاهب وتناقش المسؤولين، ورأيت الاجتماعات التي يجتمع فيها الرجال والنساء ويبحثون فيها مشاكل العالم. ورأيت البيت النظيف، والشارع النظيف، والكتب العديدة، والمكتبات المجانية، واختلطت بكل ذلك، وتحدثت إلى الفرنسيين والإنجليز، وشرعت عندئذٍ آخذ بأساليب المتمدنين، وأهدف إلى أهدافهم، وأدرس وأتعلم وأتجول وأتأمل… وعرفت فوق ما عرفت أن المرأة يمكن أن تكون إنسانًا حرًّا لا يختبئ من الدنيا وينظر إليها من صير القفل، ولكن يواجهها في شجاعة، تتعلم وتعمل وتتحمل المسؤوليات.
ورأيت جمالًا في الحب بين الشبان والفتيات، رأيتُ التمدن! وعنيت أكبر العناية بتعلم اللغتين الإنجليزية والفرنسية، واتصل عقلي عن سبيلهما، بأكبر العقول القديمة والحديثة، وكثيرًا ما كنت أسهر الليل كله حتى الصباح، وأنا في لذة الحماسة بقراءة كتاب لـ«نيتشه» أو قصة لـ «دستوفسكي» أو كتاب للعقليين أعداء القرون المظلمة.
والتحقت بالجمعية الفابية، ورأيت برنارد شو في لحمه ودمه، وكانت هذه الجمعية تومئ في بداية هذا القرن إلى منتصفه، وكانت دعوتها إلى الخير والبر ترافقها دعوة أخرى إلى الشرف والشجاعة، وسمعت من منبرها رجالًا ونساءً من الإنجليز يقولون: «يجب أن نخرج من مصر»، فأحببت الإنجليز… وكرهت الاستعمار. ورأيت بين أعضائها رجالًا ونساءً يقبلون على الأدب الروسي، ويدرسون المشاكل التي خلَّفها داروين، ويبحثون «تنازع البقاء» ومعاني «العصرية»، ويتعمقون في الطبيعة لاستخراج ما فيها من أخلاق، من تنازع أو تعاون.
ورشحتْ نظرية إلى وجداني وتشبَّعتُ بها فصارت مزاجي وأسلوبي، وكبرت قيمة الإنسان في نفسي؛ لأني عرفتُ تاريخه الماضي في مئات الملايين من السنين، كما صرت أحس بتاريخه القادم في المئات من السنين أيضًا، وتحملت بهذه المعرفة مسؤولية وأحسست دينًا، ولم يُنقص من قيمة هذا الدين أنني وقفت على مئات الخرافات التي وقع فيها الإنسان، لا، بل إن هذه الخرافات قد زادتني احترامًا وحبًّا للإنسان؛ إذ هي كانت محاولاته المتكررة للوصول إلى الحقائق، فقد انتقل من السحر إلى العلم، ومن النجامة إلى الفلكيات، ومن الكهانة إلى الضمير، ومن ذل الرق إلى شرف الإنتاج.
وكان أكبر جزء في «مشروع» حياتي أني احترفت الثقافة، فكانت حرفة وهواية معًا، لا أبالي ما فيها من تعب وعرق. وقد بنيت بها شخصيتي وأنضجت بها وجداني، واستطعت أن أنسلخ من عقد الطفولة، وأن أصل إلى اليقين الجديد، وأصبح عقلي عالميًّا عامًّا أحس صداقتي لنهرو، وخصومتي لتشرشل، وأُعنى بدراسة الصحارى، واحتمال زراعتها في آسيا وأفريقيا، وأفكِّر في مستقبل الأحياء، وأخشى انقراض بعضها. أجل أحس أن العالم كله قد أصبح وطني، ليس لي حق التفكير في مصالحه فقط، بل عليَّ هذا الواجب. وثقافتي لذلك ليست عربية أو إنجليزية أو فرنسية، وإنما هي عالمية، هي في التاريخ وعلى مستوياتها، قديمة ووسطية وعصرية، مهما اختلفت لغاتها أو مؤلفوها.
ومع أن ثقافتي قد فصلت بيني وبين الكثير من الناس لاختلاف مستويينا، فإنها بسطت لي آفاقًا شاسعة من الفرح والأمل والتأمل والعبرة، فجعلت حياتي أكثر حيوية، وحبِّي للطبيعة أحمى وأعمق، وفهمي للكون أوفى وأنور.
1952*
* كاتب مصري «1887 – 1958».