تاريخيا، عرفت الجزيرة العربية في اليمن القديم ثلاث حضارات متعاقبة: معين وسبأ وحمير، وفي شمال غرب المملكة ما زالت آثار مملكة الأنباط شاهدة على حضارة ازدهرت وسط تكوينات صخرية، تبدو وكأنها هبطت من المريخ. وقد دلت التنقيبات الأثرية الحديثة في المنطقة على استيطان بشري قديم يعود إلى ما قبل سبعة آلاف سنة. ويبقى ظهور الإسلام هو الحدث التاريخي الأبرز لمساهمة الجزيرة العربية في تاريخ العالم.
هناك مقولة ثابتة تقول «اثنان لا يمكن تغييرهما: التاريخ والجغرافيا». وإذا أخذنا بهذه العبارة تترسخ قيمة الجزيرة العربية والمملكة منها بمنزلة الأسد في جغرافيا وتاريخ العالم المعاصر. مثَّل ظهور النفط إضافة إلى خدمة الحرمين الشريفين استمرارية من نوع آخر لظهور المملكة في التاريخ. فقد نقل المملكة وبقية دول الجزيرة العربية إلى مستويات جديدة كلية في المكانة الدولية سياسيا واقتصاديا وثقافيا وعلى كل المستويات تقريبا. وحاضرا ما فتئت المملكة تتصدر مشاهد الأخبار اليومية على كل هذه المستويات، فلا يكاد يمر يوم دون أن يكون هناك حدث بارز يؤكد حجم الثقل الذي تتمتع به المملكة على كافة المحافل الدولية.
غير أن لهذا الموقع الاستثنائي تبعاته. ففي بحر لجي من الخصام والنزاعات والحروب كانت المملكة تقود الجزيرة العربية ومعه العالم العربي والإسلامي بسبب حمولتها الجغرافية والتاريخية والدينية أيضا، بهدوء وروية جنبت المنطقة والعالم الكثير من الأزمات. فمنذ نشأتها دأبت المملكة على اتباع سياسة حكيمة في تعاملها مع الأحداث السياسية الكبرى التي تعصف بالمنطقة، تتمثل في الاستقرار، ووحدة أراضي الدول، واحترام سيادتها، وعدم التدخل في شؤونها. غير أن تجاهل بعض الكيانات الإقليمية مؤخرا لهذه الحقيقة الراسخة، ومحاولة القفز على معطيات الجغرافيا وثوابت التاريخ جعل التذكير بهذه الحقائق أولوية في سياسة المملكة تجاه المنطقة والعالم.
لغويا، الوطن في لسان العرب هو «…. مكان إقامة الإنسان ومقره الذي يسكنه…» وبمصاهرة اللغة لتاريخ وجغرافية المملكة العربية السعودية اكتسب مفهوم الوطن بعدا آخر. لقد أصبح امتدادا لكليهما وأصبح الوطن مفهوما راسخا في وجدان من افترش أرض المملكة والتحف بسمائها بكل حمولاتها الثقافية. ومن البديهي أن يتجاوز مفهوم الوطن الشعور الفردي بالانتماء للمكان وأهله إلى مفردات الإنسان ومجتمعه ومؤسساته. والوطن في سياق الجغرافيا السياسية الحديثة للدول والمجتمعات مفهوم فوق كل الانتماءات الطائفية والعرقية واللغوية.
لقد أدرك المؤسسون الأوائل لهذه الصحيفة هذه الحقائق وأتى إصدارها تقديرا لكل هذه المعطيات. وبالرغم من أن «الوطن» ومنذ عددها الأول في يوم السبت 3 رجب 1421، الموافق 30 سبتمبر 2000 كانت «آخر العنقود» ضمن أخواتها من الصحف، إلا أنها قد شقت طريقا خاصا بها عرفت به. لقد كانت متميزة في كل شيء: في حجم الصحيفة وإخراجها ونوعية ورقها وترويساتها الإعلامية وقالبها الصحفي، وأهم من ذلك محتواها الفكري والصحفي بكل عناوينه. وعلى مدى أكثر من ربع قرن تجاوزت «الوطن» مجرد أن تكون صحيفة يومية، لقد أصبحت مدرسة في الصحافة تخرج منها جيل كامل من رواد وكوادر العمل الصحفي في المملكة.
وعندما يرتبط المنتج الصحفي، خبرا كان أم تعليقا عليه، أم طرحا فكريا لموضوع ما، أو إبداء رأي في قضية سياسية أو اجتماعية، بمفهوم الوطن فإن هذا المنتج ووعاءه الصحفي «الوطن» يكتسب أبعادا غاية في الأهمية. وهنا تصبح الصحيفة ومؤسستها رمزا للوطن. فيا لها من صحيفة ويا له من وطن.