بطل الرواية يقدم بوصفه نتاج أزمة ثقافية بدأت إرهاصاتها في مدينة بغداد في حقبة الستينيات الميلادية بين جموع المثقفين وتبنيهم السطحي للوجودية من خلال ما يطرحونه من مصطلحات ضمن إطار لغوي أقرب للهذيان والمباهاة الثقافية. الرواية لا تنتقد الفلسفة الوجودية ذاتها بل تنتقد استهلاكها كشعار وتحويلها إلى موضة ثقافية واختزالها في لغة استعراضية بلا مضمون.
ظاهرة بابا سارتر في بغداد الستينيات امتدت عنوانا لحالة المثقف العربي في القرن الواحد والعشرين، فأشباه بابا سارتر اليوم يملؤون المقاهي والمنتديات والأندية الأدبية. يقيمون الورش والمحاضرات ويتداولون أسماء ومصطلحات الفلسفة كموضة ثقافية لا كموقف فكري وثقافي حقيقي، يقدمون المعلومات والملاحظات القيمة ويكررون مصطلحات (الظاهراتية والوجودية والنيتشوية) ولكن ضمن إطار استعراضي. بابا سارتر اليوم يستورد المعنى بدل أن يصنعه ويقلد التجربة بدل أن يعيشها، وإن كانت ظاهرة بابا سارتر الروائية عاشت في بغداد الستينيات، فبابا سارتر بات مواكبا للعصر وانتقل من المقاهي الشعبية حتى وصل تدريجيا إلى الفضاء الرقمي. ويكفي اقتباسا من نيتشه أو سارتر أو هيدجر ليمنح خطابه الرقمي مسحة عمق كاذبة ونخبوية مزيفة تعطي إحساسا بالتفوق المعرفي حتى لو غاب السياق الفلسفي الحقيقي.
ففي منصات التواصل الاجتماعي تختزل مفاهيم كبرى وأفكار معقدة عاشت تاريخيا في سياقات اجتماعية خاصة ثم تقدم في عناوين مثيرة واقتباسات قصيرة ومقاطع فيديو تشرح المفهوم بشكل مختصر في دقيقتين، ما يخلق ظاهرة المثقف الاستعراضي الذي يتقن العرض المختصر أكثر من الطرح المعمق وكأن شخصية بابا سارتر تعيش بيننا اليوم طالما ظل المثقف يبحث عن الشرعية من الخارج ليعرف بنفسه، وستظل الظاهرة تتجدد في كل عصر بأسماء مختلفة. فاليوم يعيش معنا بابا سارتر وبابا كانط وبابا هيدجر وبابا هيجل وبابا فولتير، وكلهم يتحدثون بلغة أقرب للهذيان عن الوجود لذاته والوجود من أجل ذاته وعن الظاهراتية وصديقتها الفينومينولوجيا بطريقة تسبب للقارئ شيئا من الغثيان وكثيرا من التلبك الفكري نتيجة الإفراط في استهلاك المصطلحات والمفاهيم دون هضم كامل.
والغثيان لا نقصد به الشعور المزعج بعدم الراحة في المعدة مع رغبة في التقيؤ، بل فلسفة سارترية تمثل (براند ثقافي) جديد يجب أن تدمجه مع هيدجر وكينونته وكانط وعقله المحض وتصنع منهما (طبخة فلسفية) تشعرك بالغثيان الفلسفي. الغثيان عندما يمزج بقليل من العبث والعبثية وملعقة من العدم والعدمية ورشة من الظاهرة والظاهراتية مع تكرار اسم هيدجر وكانط، يعطي شعورا بالتميز وخاصة عندما تكون من أنصار تقديم العقل على النقل. لا بأس أن تنقل عن العقل الغربي دون أن تعقله. وتؤمن بضرورة افتتاح قسم للفلسفة في الجامعات كي يتعلم الطلاب علم أصول الغثيان المقارن، بدلا من علم أصول الفقه، ويصبحوا مختصين في علم الغثيانات ويحملوا شهادات مزينة بختم الجودة الوجودية، فالغثيان ضالة المريد في نهاية المطاف.
أفكار سارتر تجربة نفسية عميقة وصادمة تشكلت بعد حربين عالميتين خلفت وراءها ملايين القتلى ومئات المدن المدمرة وقصصا مأساوية وفقرا وجوعا، أفقد الإنسان الأوروبي ثقته في كل القيم والمبادئ، ولكنها مع المثقف العربي هي حالة استعراضية تكتسب عبر حضور الندوات وإقامة الورش وترديد المصطلحات الفارغة. ولا بأس بنقل التجربة لعالم الطفولة وتدريس أطفالنا مبادئ الفلسفة الوجودية كي يتعلموا أصول الغثيان والعبثية ويشعروا بعدمية الوجود ولا جدوى الحياة.