“تلبية تطلعات الشعب المتزايدة لحياة أفضل هي الهدف الأساسي للتنمية، وسنعمل على تعزيز التنمية الشاملة للفرد وضمان أن تعود ثمار التحديث بالنفع العادل على جميع المواطنين”.
هذا التأكيد يعكس تحولًا في فلسفة التخطيط الصيني، من التركيز على الكم والنمو السريع، إلى التركيز على جودة التنمية وجودة الحياة، وهو التحول ذاته الذي تتبناه رؤية المملكة 2030 في برامجها الاجتماعية والاقتصادية . وفي موضع آخر من الوثيقة نفسها، تربط الخطة بشكل مباشر بين التعليم والابتكار وتنمية الموارد البشرية، حيث جاء فيها:
“ينبغي إرساء إطار أساسي للتنمية المتكاملة بين التعليم، والعلوم والتقنية، وتنمية الموارد البشرية، وتعزيز قدرات البحث الأساسي والابتكار الأصيل، وبناء كوادر رفيعة المستوى من المبتكرين والمهندسين والكفاءات المهنية الماهرة، بما يضمن أن تخدم الموارد البشرية متطلبات التنمية الوطنية”.
هذا النص لا يترك مجالًا للشك في أن الصين تنظر إلى رأس المال البشري بوصفه محركًا استراتيجيًا للتحول الاقتصادي، وليس مجرد مكوّن داعم. وهو ما يتقاطع بشكل مباشر مع توجهات المملكة، التي جعلت من تنمية القدرات البشرية أحد برامجها المحورية في رؤية 2030 . ففي المملكة، لم يعد التعليم هدفًا بحد ذاته، بل أداة لإنتاج مهارات تخدم الاقتصاد الوطني وتستجيب للتحولات العالمية. وقد تجسّد ذلك في إعادة توجيه سياسات الابتعاث، وتطوير المناهج، والتركيز على التخصصات المستقبلية، وربط مخرجات التعليم بسوق العمل، في انسجام واضح مع ما تدعو إليه الخطة الصينية من تعليم تطبيقي مرتبط بالاقتصاد الحقيقي . كما أن الخطة الصينية تؤكد ضرورة إعداد فئات متنوعة من الكفاءات، من علماء ومهندسين ومهنيين مهرة، وهو ما ينسجم مع توجه المملكة نحو بناء منظومة متكاملة تشمل التعليم الجامعي، والتدريب المهني، والتأهيل المستمر، وعدم الاكتفاء بالمسار الأكاديمي التقليدي. ويكشف هذا التقاطع أن الشراكة السعودية الصينية في مجال رأس المال البشري ليست مجرد تبادل طلاب أو برامج تدريب، بل فرصة لبناء نموذج تعاون أعمق يقوم على نقل المعرفة، وتوطين الخبرة، وبناء أجيال قادرة على إدارة مشاريع التحول الكبرى في البلدين . إن قراءة الخطة الخمسية الصينية الخامسة عشرة إلى جانب رؤية المملكة 2030 تؤكد أن التقنية وحدها لا تصنع التحول، وأن الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان القادر على الابتكار، والتكيف، وصناعة القيمة. ومن هنا، فإن تعميق التعاون في مجال التعليم وتنمية الموارد البشرية قد يكون أحد أكثر مسارات الشراكة السعودية الصينية تأثيرًا واستدامة في العقود القادمة