في مقاله المنشور في عكاظ 9 أبريل 2026 بعنوان «تجربتي.. من التجنيد إلى المراجعة»، يروي الصدير جانبًا من تلك المرحلة التي شهدت استقطاب مجموعات من الشباب المنتمين إلى ما عُرف بـ«خط الإمام»، وتدريب بعضهم في معسكرات داخل لبنان بإشراف عناصر مرتبطة بحزب الله وبدعم من الحرس الثوري الإيراني، في سياق إقليمي شديد التعقيد.
يصف الصدير عملاً منظمًا يقوم على خلايا صغيرة منفصلة، لا يعرف أفرادها بعضهم، ولا تُفعَّل إلا عند الحاجة، وبعد انكشاف عدد من تلك الخلايا واعتقال أفرادها، بدأت لدى بعضهم مراجعات فكرية عميقة، لم تكن مراجعات للسجن بقدر ما كانت مراجعات لما قبله: كيف جرى الاستقطاب؟ من يقف خلفه؟ وما طبيعة الأدوار التي أُسندت إليهم؟ هذه الأسئلة هي التي صنعت نضج التجربة، لا مجرد الخروج منها.
اللافت أن بعض الإعلام العربي، حين يناقش الشأن الإيراني، يفضّل استضافة أطراف فارسية وعربية، لكنه يغفل الفئة الأقدر على تفكيك الأيديولوجيا الإيرانية من داخلها: المثقفون الشيعة العرب، هؤلاء ليسوا «وسطاء» بين العرب وإيران، بل مواطنون عرب قادرون على قراءة المشروع الإيراني من داخل لغته الأيديولوجية، لا من خارجها، وهذا ما يجعل شهاداتهم أكثر عمقًا وموضوعية.
ولأن التفريق بين «الأيديولوجيا الفارسية» و«الأيديولوجيا الشيعية» ضرورة معرفية، فإن العودة إلى، علي شريعتي، وكتابه «التشيع العلوي والتشيع الصفوي» تكشف أن الصراع ليس مذهبيًا، بل صراع بين مشروعين: مشروع ديني–أخلاقي، وآخر سياسي–سلطوي، من هنا يصبح المطلوب ترافعًا سياسيًا عربيًا لا ترافعًا طائفيًا، وتجربة زكي الصدير مثال على هذا الترافع الوطني؛ فقد خرج من التجربة أكثر التصاقًا بمعنى المواطنة، وأكثر قدرة على نقد الذات، وعلى إعادة قراءة الماضي بأدوات معرفية لا شعاراتية.
أما بالنسبة للفكر اليساري فمن تجربتي الشخصية مع بعض اليساريين العرب، لاحظت أن جزءًا من هذا التيار ما يزال يتعامل مع نصوص ماركس ولينين، كما تتعامل بعض الجماعات الدينية مع نصوص شيوخها: نصوص لا تُمسّ، وهذا ما يجعل «طفولة اليسار»، التي تحدث عنها لينين عام 1920 حاضرة في بعض الأوساط العربية حتى اليوم، لكن من الظلم اختزال اليسار كله في هذا النموذج، فاليسار العربي، كما قلت سابقًا، طيف واسع، وفيه نماذج ناضجة صنعت إضافة فكرية حقيقية، مثل إلياس مرقص، وياسين الحافظ، وعبدالله العروي، وهشام غصيب… إلخ، هؤلاء لم يكونوا أسرى الشعارات، بل أصحاب مشروع نقدي عميق، يربط بين الفكر والواقع، وبين النظرية والمصلحة الوطنية.
وإذا كان بعض اليسار العربي قد انكمش إلى مجرد «أحافير حزبية» تكرر خطابًا دوغمائيًا منقطع الصلة بواقع اليوم، فإن هناك وجهًا آخر لا ينبغي إغفاله: اليسار الأخلاقي، ذلك اليسار الذي مثّله في الغرب مفكرون، مثل ألبير كامو، وجورج أورويل، وحنة آرندت، بمواقفهم الحاسمة ضد الحروب والأنظمة الشمولية، وبانحيازهم الواضح للإنسان قبل الأيديولوجيا.
وعربيًا يمكن أن نضيف إلى هذا التيار أسماءً حملت الروح نفسها: صادق جلال العظم، جورج طرابيشي، عبدالرحمن منيف، هشام شرابي… وغيرهم ممن جعلوا كرامة الإنسان وحريته معيارًا أعلى من أي شعار حزبي أو عقائدي.
لا يمكن لمثقف أن يكون يساريًا –أو ليبراليًا أو قوميًا- من دون نقد ذاتي، ولا يمكن لأي تيار أن يستعيد دوره ما لم يتحرر من الشعارات التي تحولت إلى عبء على أصحابه، فالعدالة الاجتماعية، التي هي جوهر اليسار، لا تتحقق بالخطابات، بل بالقدرة على قراءة الواقع، وفهم التحولات، وتقديم حلول قابلة للحياة.
وفي عالم تمزقه الحروب، وتنهكه الأزمات، يصبح من السخف أن نكرر مقولة «لماذا لا يأكلون الكعك»، بينما ملايين البشر يبحثون عن معنى لحياتهم وسط الخراب، الأجدر أن نقول: «اتحدوا يا عقلاء العالم من أجل رفاه الإنسان وتنميته».
تجربة زكي الصدير ليست مجرد قصة شخصية، بل نافذة على أسئلة أكبر تتعلق بالهوية، والمواطنة، والاستقطاب، ودور المثقف في مواجهة الأيديولوجيات المغلقة، كما أن نقد اليسار العربي ليس دعوة لإلغائه، بل دعوة لاستعادة وجهه العقلاني والأخلاقي، بعيدًا عن الشعارات التي تحولت إلى عائق أمام أي مشروع نهضوي.
في النهاية، لا نحتاج إلى يسار يرفع الشعارات، بل إلى يسار يفهم الواقع، ولا نحتاج إلى مثقف يكرر الماضي، بل إلى مثقف يملك شجاعة المراجعة.. كما فعل زكي الصدير.