إن وفرة الكلمات لا تعني حيادها، بل على العكس، تعني مسؤولية مضاعفة في اختيارها. فنحن لا نستخدم اللغة فحسب، بل نسكنها، ونُشكَّل من خلالها بقدر ما نُشكّلها. ليست المسألة في عدد الكلمات التي نعرفها، بل في الكيفية التي تمنحها بها حضورًا في الواقع. فالكلمة، في لحظة نطقها، لا تصف العالم فقط، بل تفتح له أفقًا جديدًا، أو تغلقه.
حين أقول كلمة، فإنني لا أُحيل فقط إلى معنى، بل أستدعي صورة، وأُنشئ تصورًا، وربما أزرع أثرًا لا يُمحى. وهذا ما نبّه إليه جورج لاكوف حين أشار إلى أن مجرد نطق كلمة واحدة قادر على استحضار عالمٍ كامل في الذهن. لكن الأمر لا يتوقف عند حدود التصور؛ فالكلمات تتسلل إلى الفعل، وتعيد رسم ما يمكن أن يُقال، وبالتالي ما يمكن أن يُفعل. إن حدود لغتنا ليست بعيدة عن حدود عالمنا، بل هي امتدادٌ لها.
لهذا، لا تبدو المقولة القديمة «الكلمات تطير» سوى وهمٍ مريح. الكلمات لا تطير، بل تستقرّ في الذاكرة، وتترك آثارًا قد تكون أعمق من الأفعال. إنها تبني العلاقات أو تهدمها، ترفع الإنسان أو تحطّ من كرامته. وقد كشفت كلوديا بيانكي عن هذا الجانب المظلم للغة، حين بيّنت كيف يمكن للكلمات أن تتحول إلى أدوات عنف، لا تقل قسوة عن الضرب، بل قد تسبقه وتبرّره.
في خطاب الكراهية، تبلغ اللغة ذروتها المأساوية: فهي لا تكتفي بوصف الآخر، بل تعيد تعريفه في موقعٍ أدنى، وتمنحه هوية مفروضة عليه. هنا، لا تصبح الكلمات وسيلة تواصل، بل وسيلة إقصاء، تُرسّخ حدودًا بين «نحن» و«هم»، وتمنح الشرعية لهيمنة خفية. وكما صوّر جورج أورويل في عمله 1984، يمكن للغة أن تتحول إلى أداة لإعادة تشكيل الحقيقة نفسها، حتى يبدو الظلم أمرًا طبيعيًا، بل ومقبولًا.
لقد أدركت الفلسفة الحديثة أن اللغة ليست مرآة تعكس الواقع، بل أداة تصنعه. وهذا ما عبّر عنه جون أوستن حين قال إننا لا نصف الأشياء بالكلمات فحسب، بل نفعل بها. نحن نَعِد، نُهين، نُبرّر، ونُقصي كل ذلك بالكلمات. إن اللغة فعل، وكل فعل يحمل تبعاته.
لكن إذا كانت الكلمات تملك هذه القدرة على التشكيل، فهل يمكننا أن نستخدمها بطريقة مختلفة؟ هل يمكن أن تكون أداة وعي بدل أن تكون أداة عنف؟
ربما تبدأ الإجابة من لحظة بسيطة: أن نتخيّل وقع كلماتنا على من يتلقّاها. أن نسأل أنفسنا، قبل أن نتكلم: كيف سيُستقبَل هذا القول؟ هل يعكس ما أريده حقًا، أم يحمل أثرًا لم أقصده؟ إن هذه القدرة على وضع الذات مكان الآخر ليست مجرد لياقة أخلاقية، بل هي وعي باللغة بوصفها قوة.
فاللامبالاة بالكلمات ليست حيادًا، بل مشاركة صامتة في إعادة إنتاج العنف. وما يُقال بلا تفكير قد يتحول بسهولة إلى قاعدة، وما يُتجاهل قد يصبح مقبولًا. وهكذا، لا نكون مجرد مستخدمين للغة، بل شركاء في تشكيل أبعادها.
إن الانتباه للكلمات ليس ترفًا لغويًا، بل هو موقف وجودي. لأننا، في النهاية لا نعيش في عالمٍ من الأشياء فقط، بل في عالمٍ من المعاني. وإذا كانت الكلمات قادرة على أن تُشعل الكراهية، فهي قادرة أيضًا على أن تفتح أفقًا للفهم، وأن تمنح للوجود قدرًا أكبر من العدالة والإنصات.