عندما يُقبل العيد، الفرح المطلق، تكتسي الدنيا بدفء لذيذ، وتخضر أوراق الشجر اليابسة، وتحمر خدود العذارى السافرات، ويلتهب الحب في قلوب الشعراء، حتى النجوم في السماء تمسح عن جسدها ما عاق عليها من الغبار فتزداد لمعانًا وتلألؤًا. والشيخ الذي أقعدته السنون يرفع عينيه إلى السماء ويصعد تنهيدة عميقة.
والأطفال، الأطفال الصغار، يزغردون لأن العيد سيحمل إليهم هدايا كثيرة وثقيلة، وستمتلئ جيوبهم الكبيرة بالنقود، بالحلوى، بالألعاب، وسيتلقون القبل المفرحة على خدودهم من كل إنسان.
لن تبقى الدنيا على حالها في يوم العيد، سينسى المريض آلامه، ويتوب الخاطئ عن آثامه، وستغرد الدمعة الراقصة في عيون الثكالى.
حتى العشاق سيتعانقون في كل مكان أمام الجميع، وستمتلئ قلوبهم بفرح الحياة المطلق.
(ولكنني لست كذلك).
ردد هذه الكلمات الجوفاء في نفسه بدون أن يتبدل شيء من ملامح وجهه، ثم حدق في أخويه الصغيرين اللذين أحاطا به. إن عيونهما تنطق بالفرح المنتظر، بالعيد.
ماذا تريدان؟
قالها بشيء من القسوة، القسوة الخائفة.
وماتت اللهفة المتدفقة على شفتي الكبير. وصاح الصغير بتحدٍّ:
إنني أريد حذاءً جديدًا.
فردد الكبير بخوف:
وأنا أيضًا أريد مثله… حذاءً جديدًا.
ونظر إليهما بهدوء مصطنع يخفي تحته غيظًا عارمًا. كانت عيونهما تتحداه بشكل غريب. وخُيِّل إليه أن فيها أصابع خفية تجذبه إليها بقسوة لبقة. وأحس بالقرف والضيق يعتصران قلبه. لم يعجبه هذا التحدي؟ وعاد ينظر إليهما بحدة أشد، ولكنهما لم ينثنيا، ولم يبدُ عليهما أنهما قد شعرا بنظراته. كانا في تلك اللحظة بريئين جدًا، بل خُيِّل إليه أنهما أبرأ من كل مخلوق على سطح الأرض. فأيديهما الملوثة، وأظافرهما السوداء الطويلة، وأسنانُهما الصفراء المنخورة، كل هذه الأشياء التي كان يكرهها فيهما وتفصله عنهما، اختفت عن ناظريه. لم يعد يرى سوى أربع عيون تتراقص من الفرح، أربع عيون تحاول أن تكون أكثر توهجًا مما هي عليه في الحقيقة. وهز رأسه بألم: أنى له أن يقاوم مثل هذه البراءة؟
قال الأكبر:
إنني أريده بنيًّا.
ورفع الأصغر صوته صائحًا:
أنا أريده أسود لامعًا.
وصدمته لهجتهما. كان كل منهما يتكلم بانطلاق وعفوية. لم يشعرا بحاجة إلى صف الكلمات وتهيئتها، بل لعلهما نطقا بكلماتهما من غير إدراك لها. كانا يتكلمان بلهجة عادية، شفافة، لا افتعال فيها. لهجة أعادت إليه الإحساس بالدفء والحرارة. ولكنه أصم أذنيه. كان يخشى أن يجرفه التيار. وعاد يحدق فيهما من جديد. وفجأة اختفى الشعور الكريه الذي راوده منذ لحظات، وخُيِّل إليه أنه يسبح الآن في العيون الكبيرة الأربع… كان الماء فيها حارًا دافئًا، وقد زالت عنها الخطوط الحمراء الدموية المعروقة، وانتبه إلى الحرارة التي دبت إلى قلبه، وأراد أن يلمس مصدرها، ولكن في وجهيهما… كان يبدو أنهما واثقان من كل شيء كوثوقهما من أن العيد سوف يطل بعد يومين. لماذا هما واثقان إلى هذا الحد؟ من قال إنه سيشتري لهما الحذاءين؟ ولكنهما ما كانا يعيران أفكاره التي لم تستطع شفتاه أن تصرخا بها أي انتباه. كانا واثقين من حصولهما على الحذاءين..
قال الأكبر:
ولكن الأسود ليس جميلًا.
فصاح الأصغر محتجًا:
لا. من قال لك ذلك؟ إنه أجمل من البني.
لماذا يتكلمان بهذه اللهجة؟ ألا يستطيعان أن يكفا لحظة واحدة عن حديثهما؟ ألا يستطيع الشك أن يتملكهما ولو فترة قصيرة، ولكنها كافية كي يقول كلمته الحاسمة؟ نعم لا بد أن يقول كلمته الحاسمة. يجب أن يوقف ذلك السيل المتدفق. يجب أن يعيد إلى أعينهما رطوبتها القديمة، ويمنع شفاههما من الكشف عن أسنانهما التي ترسل إليه دفعات كبيرة من الحقد. لا بد له من التقيؤ بكلمة ما. كلمة تعيد إليهما هدوءهما القاسي، وراح يبحث عن هذه الكلمة.. ولكن عبثًا. وأدرك أنه مهما تقيأ فلن يستطيع النطق بها. وعزم أن يصرخ، أن ينفجر في وجهيهما كي يدعاه في راحته الجافة. ولكنهما لم يتركا له مجالًا. إن عيونهما الكبيرة اللامعة تلتهم كل إرادته، وتبتلع كل أفكاره.
1956*
٭ كاتب وناقد ومترجم سوري «1939 – 2016»