في نهاية الأسبوع الأول للحرب خرج الرئيس الإيراني لإعلان «قرارات» القيادة المؤقتة، وأولها «الاعتذار» من دول الخليج بعد استهدافها بالصواريخ والمسيّرات، ثم التعهّد بعدم مهاجمتها فـ «لا عداوة لدينا معها»، مبررًا الهجمات بأن القوات المسلحة (يقصد «الحرس الثوري») «تصرفت بشكل مستقل، بعد فقد قادتنا وقائدنا». وما لبث المتحدث باسم الجيش الإيراني أن أكد موقف الرئيس بـ «عدم استهداف دول الجوار التي لا تُستخدَم أراضيها ضدنا». وعدا أن الاعتذار جاء متأخرًا جدًا، ومن جهة لا يُعرف مدى فاعلية سلطتها، فإنه بُعيد إعلانه سُجّل سقوط صواريخ في عدد من هذه الدول، وشكّل تحذيرًا من «الحرس» بأن التزامه غير مضمون. وبالرغم أن الاعتذار عنى أن المستوى الأعلى في السلطة أدرك فداحة الخطأ الاستراتيجي باستهداف دول الجوار، فإنه قد لا يكفي لطيّ الصفحة. وفي أي حال، كانت دول الخليج أوضحت علنًا موقفها المبدئي الرافض للحرب، وللتدخّل فيها.
وفي الأسبوع الأول للحرب بدت واشنطن، على عكس إسرائيل، مهمومة بهواجس إطالة المواجهة وتوقعات «اليوم التالي». لا يستطيع ترمب، مهما وثق بإنجازات القوّة، أن يتعامل مع دولة كإيران بطريقة تعامل نتنياهو مع غزّة من دون سقف زمني للحرب أو تصوّرٍ لما بعدها. صحيح أن التدمير الأمريكي يمكن أن يستمر لفترة طويلة (من 4 إلى 6 أسابيع)، كما يؤكّد له جنرالات البنتاغون لأن لديهم الإمكانات العسكرية اللازمة.
بدأ ترمب يدرك صعوبة الحصول على «الاستسلام غير المشروط» الذي يطمح إليه، وأيضًا استحالة أن يتمكّن من «المشاركة شخصيًا» في «اختيار قادة (إيرانيين جدد) جيّدين». بل إن تقرير «مجلس الاستخبارات الوطنية» (خلاصة تحليلات الأجهزة الـ 18) وضعه أمام واقعٍ قد يقنعه بضرورة البحث سريعًا عن «مخرج تفاوضي»، وذلك بالاكتفاء بما سيتم تدميره من قدرات إيرانية في المرحلة الثانية، ومن ثمّ تحديد نهاية «معقولة» للحرب وترك التداعيات تتفاعل داخل إيران، بالتزامن مع دفع الأقلية الكردية (وربما الآذرية والبلوشية لاحقًا) إلى الميدان. هل يمثّل ذلك افتراقًا عن نتنياهو؟ لا طبعًا، فـ«الموساد» و«سي آي إي» ينسّقان في عسكرة تلك الأقليات، فهذه تشكّل الخيار الأفضل والبديل من توريط القوات الأمريكية بالتوغّل داخل إيران.
خسر ترمب احتمال تكرار نموذج «مغامرة فنزويلا» في إيران، فليس للمرشد الراحل «نائبٌ» يحلّ محله ليلعب دور «دولسي رودريغيز» في موقع الرئيس نيكولاس مادورو. ولن يتمكّن ترمب من وضع يده على النفط الإيراني لبيعه وتعويض تكاليف حرب. كما أن الرأي العام لديه، حتى داخل بيئة «ماغا» المؤيدة له، يزداد انقسامًا كل يوم حول ما إذا كانت هذه الحرب على إيران لمصلحة «أمريكا أولًا» أم لمصلحة «إسرائيل أولًا». ثم إن ارتفاع أسعار النفط يبدو مؤشرًا مقلقًا لواشنطن لأن تداعياته الوشيكة (زيادة التضخّم، تعسّر الإمدادات…) قد تتفاقم إذا طالت الحرب، سواء داخل أميركا (عشية الانتخابات النصفية) أو على المستوى العالمي (تحميل أمريكا – وإسرائيل – مسؤولية الاضطرابات الاقتصادية).
بالرغم من أن الحرب تمدّدت إلى لبنان (ولا يزال تمدّدها يمنيًا أو عراقيًا واردًا)، فإنه لا يغيّر شيئًا في مجرى الحرب على إيران، بل كان خطأً إستراتيجيًا آخر لـ «الحرس الثوري» أتاح لإسرائيل فرصة حرّة (بلا ضغوط أو تدخّلات) لتنفيذ خطّة الحرب الموسّعة ضد «حزب إيران/ حزب الله» واجتياح مزيد من الأراضي اللبنانية، وكأنها «منفصلة» عن الحرب على إيران.
إذا قرر ترمب بنهاية الأسبوع الثاني، وبعد استخدامه الأسلحة الأكبر، أن يوقف الحرب، فإنه سيقدم على ذلك بدافع مصلحة أمريكية فحسب، ومتى تيقّن بأن الداخل الإيراني سيكمل الحرب بالنيابة عنه وعن نتنياهو، سواء لسحق أي تمرّد داخلي مسلّح أو لمواجهة مشاكل العقوبات التي زادتها الحرب سوءًا. قد يبدو التعجّل بطلب الاستسلام علنًا هو ما جاء بنتائج عكسية، فالنظام سيوغل في التطرّف.
ينشر بالتزامن مع موقع «النهار العربي».