حرص بوري على إبراز البعد المأساوي في قصته، غير أن أخذ القصة من هذا المنظور من شأنه أن يفضي إلى اعتبار موت الرجل الطائر أو قتله على يد الإمبراطور تحقيقًا لرغبة عنيفة وكامنة لدى الإنسان المعاصر في الانتقام من نموذج مبسّط لشخصية المخترع الذي قاد الإنسانية إلى هذا المأزق، أو أنها محاولة يائسة بذلت ذات يوم في سبيل إنقاذ الإنسانية وتجنيبها هذه النهاية بعض الوقت، ومن هنا يصبح موت الرجل الطائر رمزًا لتدهور العلاقة بين الإنسان والآلة بحيث تصبح الرؤية التي تحرك القصة مجرد إسقاط لهذا الإحساس المتأزم الذى أصبح الهمّ المؤرّق للإنسان المعاصر.
ومما يدعّم هذه النظرة للفعل الإنساني شمولية تنأى به عن أن يكون محصورًا في التطوّر العلمي، وذلك إذا أخذنا في الاعتبار القيمة الجمالية التي اتسمت بها مغامرة الرجل الطائر، ففعل الطيران لم يكن مجرّد إنجاز علمي فحسب ولكنه كان في نفس الوقت إنجازا فنيًا، إنه اكتشاف للجمال كما أكدّ الرجل الطائر، ومن هنا تبرأ القصة من محاولة تأطيرها بإشكالية التقدّم العلمي وتتخذ من الشوق الإنساني لمعانقة المجهول وكشف أبعاده أفقًا لها، ولكنه ذلك الشوق الذي يتعارض مع الظروف التاريخية التي تمرّ بها الأمة.
والجهاز الذى اخترعه الإمبراطور يقدم البديل لهذا التطلّع، جهاز صغير كل ما فيه ضئيل بحيث يشكّل النقيض المقابل لاختراع الرجل الذى يسمو بالإنسان إلى آفاق عليا فهنا حتى الإِنسان يبدو صغيرًا ولكن هذا الاختراع يتناسب مع الظرف الذي يحياه المجتمع وكأنها الإمبراطور يريد أن يقول إن علينا أن نكتفي بأفق متواضع ما دام هذا الأفق لا يشكّل خطرًا علينا. وهو يؤمن أن ما توصل إليه الرجل الطائر نوع من الجمال يتوق هو نفسه إلى بلوغه ولكنه لا يستطيع أن يتناسى هذا التعارض الحاد بينه وبين واقع المجتمع وهو لا يحاول – تلك خطيئته – أن يدفع بأمن المجتمع إلى أفق أقوى من التحصين في ضوء ظهور هذا الاختراع ويرتاح للوسيلة الأسهل والأسلم وهي الفتك بالرجل الطائر.
وسور الصين في هذا المقام يرسم حدود الشرط التاريخي الذي تحيا فيه الأمة ولكنه في الوقت نفسه يشكّل الجدار الحاسم الذى ترتطم به تطلّعاتها وأشواقها فترتد إليها دون أن تستطيع أن تتجاوزه فإذا ما خامرها الشوق لذلك كان فيه هلاكها. وبهذا يصبح السور مصدر أمن للأمة ولكنه مصدر لعنة لها في الوقت نفسه.
1986*
* أديب وناقد سعودي (1953 – 2026 )