«سلسبيل» فتاة من جنسية عربية، جاء بها القدر لتدرس في السعودية بصحبة عائلتها. كان الأصحاب في ذلك الزمن متشربين النظرة الدونية للطالب الأجنبي لا لشيء، فقط لسطحية ثقافة توارثتها الأجيال لا أكثر. شدّتني من أول يوم دراسي، كنت أرمقها من بعيد، أراقب حركاتها وسكناتها، هندامها وهيئتها، وأرى ما تحتويه حقيبتها الصغيرة التي عفا عليها الزمن. كانت تخرج أغراضها بخفة بالغة خشية أن تثير انتباه أحد، كأنما ريشة تطير في الهواء تشد بصرك ولا تثير أي حركة من حولك. كان كل شيء تملكه قد حال عليه الحول وبدا مستهلكًا جدًا للعيان. كانت تتحرك باستحياء، وتأكل باستحياء، وتشارك أيضًا باستحياء. كانت طالبة نجيبة تفوقنا ذكاءً وفطنةً. بعد مضي أسبوع، تبيّن لي أن لا أحد يجالسها، وكانت دائمًا صامتة. كنت أقرأ الفقر في عينيها. اقتربت منها وتوددت إليها كثيرًا، لا بدافع الشفقة، بل بشيء يشبه الشعور بالمسؤولية الطفولية لأناصفها فقرها. بعد فترة تبيّن لي مبرر ما كانت تفعله وتملكه. بخلسة، اقتطعت جزءًا من مستلزماتي المدرسية لأرسم البسمة على شفاهها. في الصباح الباكر سلّمتها العهدة، وبعدها وجدت نفسي مرتاحة كثيرًا، لأنني بنظري الطفولي قضيت على الفقر الموجع لبراءة الطفولة.
الفقر نوع من الحرمان المؤلم لأساسيات الحياة، وسؤال الغير لتلبيتها. هو عدم القدرة على الحصول على دعائم الحياة لعجز أب أو لقلة حيلة أم. وأحيانًا أخرى هو الفقد لكماليات الحياة المسببة للسعادة. هو نظرات طفولة يؤلمك بريقها وهي ترمق الأشياء. هو مسلسل نهايته الانحراف والفساد في بعض الأحيان في غياب الوازع الديني.
بداخل كل نفس بشرية رحمة، والرحمة جزء من الروح، وهي من كمال الخلق. فبتحسس الحاجات وقراءة مخطوطة الآهات تولد الرحمة. حقيقة لا تغفل على عاقل؛ لا نستطيع العيش بدون تراحم على هذه الأرض. فبالرحمة نتقاسم الأحزان والآلام. في يوم ما، أخبرت الرحمةُ المكروبَ والمحتاجَ أن قلوبًا كثيرة تعانق حاجاتهم، وأنها نذرت جزءًا من سعادتها مقسومًا بينهم. الرحمة بلسم لطيف يحتاجه المساكين، ونسمة رطبة تطفئ لهيب المكروبين، وكلمة طيبة تعيد اتزان المنكسرين. هي لمسة حانية على رأس يتيم، هي حنان ودفء ممزوجان بالحب تحركهما العاطفة، هي تلمس وتداوي الحاجات، وفي ذلك يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «الراحمون يرحمهم الله»، فأي فضل وأي شرف يناله العبد إن أكرمه الله برحمته! فعجبًا لبعضنا لديه عصيان عاطفي، فالرحمة منزوعة من قلبه، والعياذ بالله.
فالرحمة ليست مقتصرة على الفقراء، الرحمة للأب والأم، والزوج والأبناء والأقارب. الرحمة للخدم، ومن بات مغتربًا بيننا لا أهل له ولا ولد. بلغة تفهمها الرحمة، قد يكون الفقر يومًا موجعًا لأصحاب القلوب الرحيمة من المقتدرين، فمن المسؤول عن الفقر؟ أهو غياب الموارد أم غياب الرحمة؟