رمضان ليس شهر عبادة فقط، شهر ضبط النفس، وتأجيل الرغبة، وبناء القدرة على الاحتمال، وهو المعنى ذاته الذي قامت عليه الدولة السعودية منذ لحظتها الأولى؛ دولة لم تُبنَ بالاندفاع، ولم تقم على فائض القوة، وإنما على وعي مبكر بأن الاستمرار أصعب من الانتصار، وأن الحكم الحقيقي هو القدرة على البقاء حين تتغير الظروف.
يوم التأسيس لا يروي قصة بداية، يروي قصة اختيار، اختيار أن تُبنى الدولة على فكرة، لا على غنيمة، وعلى عقد أخلاقي قبل أن تكون سلطة سياسية، وعلى إدراك أن الجغرافيا القاسية لا تُدار إلا بعقل طويل النفس، وصبر يشبه صيام الصحراء.
في رمضان، يصبح للتاريخ وزن مختلف؛ لأن الصيام يعلّم الإنسان أن القيمة ليست فيما يُؤخذ سريعًا، وإنما فيما يُصان طويلًا، وهكذا كانت الدولة السعودية عبر ثلاثة قرون: مشروع صيانة للهوية، لا مشروع استعراض للقوة، مشروع تراكم، لا مشروع قفز.
لم يكن تأسيس الدولة حدثًا عابرًا في سياق عربي مضطرب، وإنما كان استثناءً هادئًا، ففي زمن كانت فيه الكيانات تولد وتموت بسرعة السيوف، اختارت هذه الأرض أن تُنجب دولة بطيئة النضج، عميقة الجذور، قادرة على التكيف دون أن تفقد ملامحها.
واليوم، حين يتزامن يوم التأسيس مع رمضان، فإن السؤال الذي يطرحه التاريخ ليس: كيف بدأنا؟.
السؤال: كيف حافظنا على أنفسنا؟.
الجواب: ليس في الوثائق وحدها، في السلوك السياسي المتراكم، في القدرة على إدارة التناقض، في فهم الزمن، وفي الإيمان بأن الدولة ليست لحظة انتصار، رحلة مسؤولية.
رمضان يذكّرنا بأن القوة ليست في الامتلاء، في السيطرة على الرغبة، ويوم التأسيس يذكّرنا بأن السيادة ليست في الاتساع، في الثبات، وبينهما تتشكل شخصية الدولة السعودية: دولة تعرف متى تتقدم، ومتى تنتظر، ومتى تصمت، ومتى تقول كلمتها بثقل التاريخ.
لهذا، فإن الاحتفاء بيوم التأسيس في رمضان ليس احتفاءً بالذاكرة وحدها، تجديد للعهد مع المعنى، معنى الدولة التي فهمت منذ البداية أن الصبر سياسة، وأن الاستمرارية إنجاز، وأن من يصم عن الضجيج، يسمع التاريخ بوضوح.
وفي زمن تتبدل فيه الدول كما تتبدل العناوين، تبقى المملكة العربية السعودية شاهدًا على أن الدول العميقة لا تُعلن عن نفسها كثيرًا، وحين تُقرأ، تُقرأ كاملة.