أما إذا نظرنا إلى تاريخ الفلسفة في جميع العهود فلا يمكن أن ترى أشهرَ ولا أعظمَ من اسم أرسطو. ومع ذلك فإن اسم ابن رشد كان دائمًا مقرونًا باسم أرسطو. وكانت كتب أرسطو تجمع في العصور الوسطى أو تطبع في أول عهد العالم بالطباعة مع شروح ابن رشد. ولا غرو فلقد أقرَّ مؤرخو الفلسفة أن كتب أرسطو لم تكن تفهم في العصور الوسطى حق الفهم ما لم تكن مرفقة بشروح الشارح العظيم كما كان يعرف ابن رشد بين رجال العلم والفلسفة كلهم.
وإذا نحن اعتبرنا أن فلسفة أرسطو وصلت إلى مفكري العصور الوسطى مشوهة ممزوجة بآراء أفلاطون ومثقلة بالآراء الإسكندرانية المتأخرة ومشحونة بالأقوال الدينية المحولة، بينما فلسفة ابن رشد انتشرت بين أولتك المفكرين كما جرت على قلم صاحبها، أدركنا أن أثر فيلسوفنا كان أعمق وأبرز.
وعلى كل فإن الذي هز أوروبا في العصور الوسطى كان فيلسوف العرب لا فيلسوف اليونان، ذلك لأن الذي قبله فقهاء العصور الوسطى في أوروبا على أنه فلسفة أرسطو لم يكن في الحقيقة فلسفة أرسطو، فكتاب أوثولوجيا المعروف بكتاب الإلهيات كان من عمل أفلوطين الإسكندراني ولم يكن له صلة بأرسطو، بل لقد كان مناقضا رأي أرسطو – على أن الكثير من آراء أرسطو لم تعرف في أوروبا يومذاك إلا من خلال الشروح التي وضعها ابن رشد على كتب أرسطو نفسه.
وابن رشد من فلاسفة المغرب، أي من الفلاسفة المسلمين الذين اشتهروا في الأندلس وشمالي غربي إفريقية منذ القرن الخامس للهجرة أو الحادي عشر للميلاد، من هؤلاء ابن حزم، وابن باجة، وابن طفيل، وابن رشد، وابن خلدون. ولا ريب في أن فلاسفة المغرب هم الذين مثلوا الفلسفة العقلية في العصور الوسطى أحسن تمثيل في بلاد الإسلام وفي بلاد النصرانية. وحسبنا أن نعلم أن أوروبا لم تخرج من عصورها المظلمة حتى طرحت أقوال مفكريها وأخذت بآراء ابن باجة وآراء ابن رشد على الأخص؛ لقد فك ابن رشد عقال الفكر الأوروبي وأطلقه في جو فسيح حر، وقال الحقائق سافرة بعض السفور، ووضع مع ابن باجة من قبله وابن خلدون من بعده، أساسًا جديدًا للبحث العلمي أو قل الأساس الصحيح للبحث العلمي.
حتى فلاسفة الإسلام الكبار في المشرق فإنهم لم يكونوا في الحقيقة سوى طلائع للفلسفة العقلية على الحصر. لقد كان منهم الرياضي البارع كالكندي والمفكر المادي كالفارابي والطبيبُ العالم كابن سينا والعالم في الطبيعيات كابن الهيثم والفقيه العظيم كالغزالي. ولكن لقب (فيلسوف) كان لا يزال بانتظار مجيء الرجل الدي يستحقه ولم يستحقّه أحد قبل ابن باجة.
1951*
* مؤرخ وأديب لبناني «1906 – 1987»