في زمن أصبحت فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي جزءًا من حياتنا اليومية، يلجأ كثير من الناس إليها للحصول على إجابات سريعة حول صحتهم. لكن هذه السهولة قد تحمل في طياتها مخاطر غير متوقعة، كما تكشف قصة حقيقية لمريض عاش تجربة قاسية مع القلق الصحي.بدأت القصة عندما زارني أحد المراجعين، شاب في منتصف العشرينات من عمره عاد للتو من ابتعاثه، وكان قد أجرى فحصًا طبيًا روتينيًا يتم عمله وفق الأعراف الطبية للفحص المبكر لسرطان القولون والمستقيم لمن تجاوز الأربعين عامًا من الرجال. أظهرت النتائج أن تحليله إيجابي، ما استدعى إجراء تنظير للقولون بعد ذلك وكانت نتيجته سليمة. ومنذ ذلك الحين لم يهدأ له بال ويتكرر السؤال في ذهنه لماذا التحليل إيجابي والمنظار سليم. وبين القلق والترقب، لجأ إلى أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي للحصول على تفسير سريع لما يحدث.خلال أسبوعين فقط، أمضى ساعات طويلة يوميًا في محادثات مع التطبيق، يسأله عن احتمالات التشخيص ويحلل كل عرض يشعر به. ورغم أن الفحوصات اللاحقة أكدت عدم إصابته بأي مرض خطير، إلا أن القلق لم يتوقف. بل على العكس، بدأ يعتقد بوجود أمراض أخرى كامنة، مثل أمراض عصبية أو مناعية، ما دفعه إلى زيارة عدة أطباء وإجراء فحوصات متقدمة دون مبرر طبي واضح.يخبرني عن تجربته بأنها «دوامة من الخوف والوسواس»، مؤكدًا أن التفاعل المستمر مع الذكاء الاصطناعي عزز لديه القلق بدل أن يخففه. ومع مرور الوقت، تحول استخدامه للتطبيق إلى عادة يومية يصعب التوقف عنها، حتى شعر أنه يتعامل معه كصديق مقرب.ولم تكن هذه الحالة فردية. إذ تشير تقارير حديثة إلى تزايد النقاشات في المجتمعات الرقمية حول ما يُعرف بـ«القلق الصحي»، وهو حالة من الانشغال المفرط بالأعراض الجسدية والخوف من الإصابة بالأمراض. ويلاحظ مختصون في الصحة النفسية أن استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي قد يزيد من هذا القلق، خاصة بسبب سرعة الإجابات وطابعها الشخصي، ما يدفع المستخدمين إلى البحث المستمر عن الطمأنينة.وتُظهر الدراسات أن هذا النمط من السلوك يشبه في كثير من الأحيان اضطراب الوسواس القهري، حيث يكرر الشخص البحث أو الفحص للحصول على تأكيد مستمر. إلا أن هذا «الاطمئنان المؤقت» يعزز القلق على المدى الطويل بدل أن يعالجه.من جهة أخرى، تشير بيانات حديثة إلى أن عشرات الملايين من المستخدمين حول العالم يلجؤون يوميًا إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي للحصول على معلومات طبية. كما بدأت بعض الشركات في تطوير ميزات متقدمة تسمح للمستخدمين بتحميل نتائجهم الطبية والتفاعل مع النظام بشكل أعمق.ورغم الفوائد المحتملة لهذه التقنيات في زيادة الوعي الصحي، إلا أن خبراء يحذرون من الاعتماد المفرط عليها، خاصة في غياب الإشراف الطبي المباشر. كما أُثيرت قضايا قانونية تتعلق بتأثير هذه التطبيقات على الصحة النفسية لبعض المستخدمين، ما دفع بعض الجهات التشريعية إلى التفكير في وضع ضوابط تحد من تقديم نصائح طبية مباشرة عبر هذه المنصات.في المقابل، تؤكد الشركات المطورة أنها تعمل على تحسين أنظمة الأمان، وتدريب التطبيقات على التعرف على حالات القلق أو الضيق النفسي، وتوجيه المستخدمين نحو طلب المساعدة من مختصين عند الحاجة.تبقى الرسالة الأهم واضحة والتي لطالما أعيد تكرارها على زائري عيادتي:الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة، وليس بديلًا عن الطبيب.وفي عالم تتسارع فيه التكنولوجيا، يصبح من الضروري تحقيق التوازن بين الاستفادة من هذه الأدوات والحفاظ على الصحة النفسية، عبر استخدام واعٍ ومسؤول، خاصة عندما يتعلق الأمر بأمور حساسة كالصحة.
Source link