فليس لي إذن رأي في كتبي إلا أنها تصور عقلي وشعوري حين أمليتها. فأما بعد أن يأخذها القراء، فأمرها إليهم وإلى اللّه. وأنا على كل حال أحتمل تبعاتها بالطبع.
أعتبر كتبي «السابقة» تلك التي ألفتها في المهجر، وهي: (الآباء والبنون) و (الغربال) و (المراحل) و (كان ما كان) و (همس الجفون) فهذه الكتب الخمسة هي بواكير غلتي الأدبية.
وإنه لمن الإنصاف لبواكيري، أن اذكر القارئ بأنني فطمت عن العربية وديارها وأنا في السادسة عشرة من عمري. وبقيت لسنوات طويلة بعد ذلك أدرس وأطالع في لغات لا قرابة بينها وبين لغة الضاد، وأعيش في بلاد تفصلها عن الأقطار العربية محيطات وقارات. فلا عجب إذا استبدت القوالب الفرنجية بذوقي إلى حين فسحت أولى كتاباتي – من حيث القالب في الأقل –
وإلى القارئ رأيي الصريح في الكتب التي ذكرت:
الآباء والبنون: هي مسرحية كتبتها في ثلاثة أسابيع إثر تخرجي من الجامعة سنة 1916. وقد نشرتها مجلة «الفنون» في أعداد مسلسلة، ثم أصدرتها كتاباً عام 1917. ونفدت طبعتها الأولى من زمان. فما فكرت في إعادة طبعها من غير أن أجري فيها الكثير من التحوير والتعديل. وخشيت إن أنا تناولتها اليوم بقلمي وفكري وذوقي أن تخرج من يدي ولا نسابة بينها وبين الأصل أكثر من الاسم. فالحوار – فصيحه وعاميه – طويل.
والفصيح منه لا يخلو من المسحة الأجنبية التي حدثتك عنها. وظننت بباكورتي تغدو بين مؤلفاتي اسما لغير مسمى. فكان من ذلك كله، ومن إلحاح نفر من أصدقائي وقرائي، إن عدت فأصدرت في العام الماضي طبعة منقحة منها. وإليك نقرة من المقدمة التي وضعتها لتلك الطبعة:
« إلا أنني، وهذه الرواية محصية في عداد مؤلفاتي، وموضوعها ما نصلت جدته بعد ولن تنصل، وفيها من دقيق التحليل والتصوير ما يشفع بأماكن الضعف فيها… عدت فألقيت عليها نظرة سريعة. فحذفت وأَضفت من غير أن أمس جوهر الموضوع، أو أغير في تصوير الأشخاص ومساق الحوادث. وما شئت أن أتمادى في التغيير والتبديل مخافة أن تخرج الرواية وكأنها مخلوق جديد… ).
وهكذا ترى أنني ما حكمت على هذه الباكورة المتواضعة بالإعدام. فهي، في نظري، ما تزال حرية بالبقاء. وأنا راض بها شاهداً لي أو علي يوم الحساب.
الغربال: لا شك في أن هذا الكتاب مهد السبيل للنقد الفني وللنهضة الأدبية الحديثة. وكان له أثر مشكور في تكوين الذوق الأدبي عند الأجيال الجديدة. وقد أعيد طبعه حتى اليوم ثلاثاً. وقريباً يشهد طبعته الرابعة.
وهو أمتن عبارة، وأبعد غوراً من سالفه. ولو شئت اليوم أن أعيد النظر في مقالاته لأبدلت في بعضها حرفاً، ولسكبت الآخر في قوالب جديدة.
إلا أني آثرت أن يبقى على ما كان في طبعته الأولى. وأنا، وإن تغيرت اليوم نظرتي إلى النقد والناقدين، لا أزال عند الكثير من الآراء التي أبديتها في (الغربال) حول الأدب واللغة بوجه عام، وحول بعض الكتاب والشعراء الذين تناولهم الكتاب بوجه خاص.
لقد مر 40 عاماً بالتمام على المقال الأول الذي كتبته في النقد وضممته فيما بعد إلى مقالات (الغربال). وكتاب من هذا النوع يعيش 40 حولا ولا يصاب بتصلب الشرايين، كتاب لا يحق لمؤلفه أن يندم على تأليفه.
في (الغربال) – وهو كتاب نقد صرف – ومضات إذا تفحصها الناقد الحذق تبين منها الاتجاه الذي كان محتوماً أن تفرضه علي طبيعتي في المستقبل.
1953*
* أديب وناقد مصري (1889 – 1973)