نشأت الدولة السعودية على فكرة واضحة، واستمرت عبر ثلاثة قرون من التحولات دون أن تفقد اتصالها بجذورها يومًا.
مر السعوديون عبر تاريخهم بشتى الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية، تغلبوا على القوى التي خططت لاحتلال الأرض أو تقسيم الشعب، فهموا المؤامرات السياسية، مروا بالأزمات الاقتصادية، بالهجرات العابرة منهم وإليهم، بالمشروعات الأيديولوجية الشرسة، عرفوا الانغلاق والانفتاح، ولامست العولمة حياتهم بشكل مباشر، لكنهم مع كل هذا لم يفقدوا يومًا هويتهم الجامعة ومعناهم العميق.
في العام 1727 تأسست الدولة السعودية كمشروع سياسي واجتماعي مبكر في محيط كانت تسوده الفوضى والانقسامات، لم تكن مشروعًا عابرًا قائمًا على الحسابات السياسية وحدها، لكنها كانت قضية هوياتية ترتبط بالوحدة والحرية والكرامة والأمن والحقوق، وكل ما يمثل معنى الوجود السعودي حتى هذا اليوم.
يعزز يوم التأسيس السعودي الهوية السعودية إذ ينقلها من كونها ذاكرة تستدعى في المناسبات الموسمية والاحتفالات إلى هوية تاريخية واعية وراسخة لا تهتز أمام أي تشكيك ولا تقبل الاختزال، هوية متجددة قادرة على التكيف مع الزمن دون تفريط في الثوابت.
كما أن يوم التأسيس يقدم قراءة ناضجة لمسألة التنوع داخل المجتمع السعودي، فاختلاف المناطق وتعدد اللهجات، وتنوع الأزياء والعادات يظهر في هذا اليوم بشكل أكثر وضوحًا ليبعث برسالة حول غنى الهوية السعودية وثراء نسيجها الواحد، الذي يحتضن التعدد على أرضنا التاريخية، وتحت شرعية وطننا الموحد.
من أهم ما يحققه الاحتفاء بيوم التأسيس تأصيل الوعي التاريخي لدى الأجيال الجديدة، إذ يقدم لهم الوطن كقصة متكاملة غير مجتزأة، فيتحول من معلومة إلى شعور حي بالانتماء، وهذا الوعي بذاته هو خط الدفاع الأول عن الهوية والوطن والمجتمع.
ولعلنا نذكر هنا الارتباط بين قيم الهوية، وبين السلوك الفردي اليومي ليظهر في احترام النظام والإحساس بالمسؤولية تجاه المكان والإنسان، بمعنى أن نمارس المواطنة، كامتداد لفكرة الدولة التي تأسست من يومها الأول على الاستقرار والعدالة والالتزام.
أخيرًا.. ليحمل يوم التأسيس رسالتنا للعالم.. نحن دولة المشروع السياسي والسيادي الأول.. نحن الموقف الأول، لم نحدث على التاريخ صدفة ولا بفعل فاعل، نحن الوطن الذي صنعته الإرادة الحرة ليزداد في كل يوم رسوخًا واستدامة.