ثم جاء الإمام عبدالعزيز بن محمد، فانتقل بالمشروع من التأسيس إلى التمكين؛ فوطّد الإدارة، ووسّع النفوذ، وعزّز حضور الدولة في محيطٍ كان مألوفًا فيه التشتّت وتبدّل الولاءات. ومع اتساع الرقعة، اتسعت معها مسؤوليات الحماية والعدل، فغدت هيبة الدولة عنوانًا لأمن الطريق واستقرار السوق، ومظلةً لانسياب الحركة بين القرى والحواضر.
واليوم تتجدد تلك الروح في رؤية السعودية 2030 بثلاث ركائز مترابطة: مجتمع حيوي تُصان فيه جودة الحياة وتزدهر فيه الثقافة والرياضة، واقتصاد مزدهر يُبنى على تنويع الدخل وتمكين القطاع الخاص وجذب الاستثمار وتوليد الوظائف، ووطن طموح تُحكمه الكفاءة والشفافية والمساءلة. ولذلك تحولت الركائز إلى عملٍ يومي عبر برامج التحول الوطني وجودة الحياة، وتطوير البنية التحتية الرقمية، ورفع كفاءة الإنفاق، وتوسيع الفرص للشباب، حتى غدت المؤشرات تُقاس وتُعلن ويُسابق عليها في الميدان.
وفي تفاصيل التنفيذ نرى كيف يُترجم الماضي إلى حاضر: مدنٌ تُفتح على الترفيه والمعرفة، وقطاعاتٌ جديدة تنمو في السياحة والخدمات اللوجستية والصناعة، واقتصادٌ رقميّ يختصر المسافات، وإصلاحات تشريعية وإدارية تُسهّل الاستثمار وتُعظّم الأثر. وكما جعل المؤسسون الاستقرار أساسًا لكل نمو، تجعل الرؤية الحوكمة والانضباط المالي وقوة المؤسسات أساسًا لكل إنجاز. ولكل مواطن دور.
إن يوم التأسيس ليس مناسبة وطنية فحسب، بل تذكيرٌ بأن البناء يبدأ من فكرةٍ واضحة وإرادةٍ صلبة، وبأن مسيرة ثلاثة قرون لا تُستعاد بالاحتفال وحده، بل باستكمالها: عملًا يُتقن، ووطنًا ينهض، وطموحًا يليق بتاريخٍ صنع الأمن؛ في بناء قوّةٍ عظمى بثِقَلٍ عالميٍّ منقطع النظير، نعيش في كنفها كل ذكرى للتأسيس وهي من ازدهارٍ إلى ازدهار، نتيجة (سير الأحفاد على نهج الأجداد).