ليس خطأً الاعتقاد بأن المطلوب من أي مفاوضات إيجاد مخرجٍ لتفادي الحرب، شرط أن يكون هذا الهدف مشتركاً بين الطرفين، لكن الواقع بعد جولتَيْ مسقط وجنيف يفيد بأن التوصّل إلى اتفاق أقرب إلى الاستحالة. لماذا؟ أولاً، لأن طهران لا تستطيع قبول الشروط الأميركية ولا تزال تتصرّف كما لو أنها في مفاوضات تقليدية كالتي خاضتها مع إدارتين أمريكيتين سابقتين (باراك أوباما وجو بايدن)، وتراهن على إطالتها متجاهلةً «الخطوط الحمر» التي حدّدها دونالد ترمب أو محاولةً تغييرها. وثانياً، لأن واشنطن وإسرائيل، وإن اختلفتا حول التفاصيل والتكتيكات، متفاهمتان على أن أي اتفاق لا يأتي بالنتائج التي يتوقّعانها (لا برنامج نووي، لا صواريخ بعيدة المدى، لا وكلاء قادرين على الإزعاج)، سيكون لمصلحة النظام الإيراني.
عند هذا الحدّ من الاستعصاء بدت آفاق المفاوضات مسدودة، وتقلّب تقويمها في ظرف ساعات بين وصفها بـ «الجيدة» وبين اعتبار أن إيران تناور لتفكيك شروط ترامب. لم يولد هذا التحليل من عرض مداولات جولة جنيف، بل طُرحت قبل انتهائها مهلة الأسبوعين للإيرانيين كي يعودوا باقتراح مفصّل. وفي انتظار مسودة الاتفاق التي يُعدّها فريق طهران، صار الجيش الأمريكي جاهزاً للعمل ضد إيران وأُبلغ ترمب بالأمر فمرّر أن مهلة هي 10 أيام قبل أن يلوّح بإبقائها كما هي، أي 15 يوماً. تبع ذلك تسريب مدروس بأن ترمب مستعد أن يبحث في مقترح يسمح لإيران بـ «تخصيب رمزي لليورانيوم». من الواضح أن العقدة في هذه المرحلة حصراً هي «التخصيب» الذي تعتبره إيران «حقّاً سيادياً لا يمكن التنازل عنه»، لكن في مرحلة ما بعد مسودة الاتفاق قد تكون العقدة شيئاً آخر. أما مقترح «التخصيب الرمزي» فيبدو ملتبساً، أهو مساهمة أمريكية علنية للحلحلة أم فخ لإرباك الخبراء الإيرانيين أم محاولة لإذلال طهران، وبالتالي لاستفزازها؟
يتفاوض الطرفان ولدى كلٍّ منهما شبه يقين بأن الحرب ستقع لا محالة. لذلك، إذا كان السرّ الشائع للمفاوضات أنها استؤنفت أصلاً للتعرّف إلى مدى استعداد إيران للتنازل، استناداً إلى تجربة حرب الـ 12 يوماً، فإن التساؤل الذي يطرح نفسه لماذا تفصح طهران عن تنازلاتها طالما أن اتفاقاً لن يحصل وإذا حصل لن يبدد التوتر ولن يمنع الحرب. الأكيد أنها تريد المفاوضات سبيلاً إلى رفع العقوبات، وتستعد لتقديم تنازلات من أجل إبعاد شبح الحرب، لكنها كلما أبدت «مرونة» أو «إيجابية» كلما عاد الجانب الأمريكي إلى سيرة «تغيير النظام». ولا تحتاج طهران إلى من يوضح لها أن قبول التنازلات المطلوبة في الملف النووي يوازي عملياً سقوط النظام. ولا شيء يضمن لها زوال الخطر والتهديدات ما لم تضع الصواريخ والوكلاء على طاولة التفاوض.
كانت طهران محقّة، بإصرارها على حصر التفاوض بالشأن النووي، لأنه أساس الخلاف مع الولايات المتحدة ودول الغرب (بسبب «أمن إسرائيل»)، واعتقدت أنها في كل الأحوال ستتمكّن من الحفاظ على برنامجها باعتباره جهداً علمياً بحتاً. لم تستطع أن تبرهن، ولا في أي مرحلة، أنها تسعى فعلاً إلى «برنامج سلمي»، بل برهنت العكس، كذلك لم تستطع الإقناع بأن أيديولوجية نظامها لا تشكّل خطراً على محيطها الإقليمي، بل صنّعت هذا الخطر عبر «تصدير ثورتها» واتخذت منه درعاً خارجية للدفاع عنها، كما دعمته بـ«تحالفات إستراتيجية» مع الصين وروسيا. يُفترض أنها في اللحظة الراهنة، وقد بات موقعها الجيوسياسي مستهدفاً، أكثر إدراكاً بأن أحداً لن يساعدها.
بُنيت نظرية الحرب على أساس أن إيران ضعفت بعد هزائم وكلائها والحرب المباشرة عليها. وبنَت إيران إستراتيجيتها الدفاعية على اعتبارات عدة، منها أن لديها أسلحة وخططاً سرّية لم تلجأ إليها في حرب حزيران (يونيو) 2025، وعلى رغم وجود شكوك في أنها تمكّنت من معالجة انكشافها الاستخباراتي الذي ظهر خلال تلك الحرب، إلا أنها تراهن على «إغراق حاملة طائرات» وقصف قواعد أمريكية كمشهدية «انتصارية» تتناقض مع «الضربات السريعة والنظيفة» التي يفضلها ترامب. يبدو لكثيرين، بعد تحليل النتائج الأولية للمفاوضات، أن الطرفين يراهنان على الحرب. كلٌّ منهما يحتاج إلى «مَخرج»، وإلى «إخراج» يحفظ ماء الوجه، لكن أي حل وسط- إذا وُجد- لا يحقق لترمب أهدافه ولا يبرّر العرض العسكري الضخم الذي أمر به، لكن هذا «الحل» لن يعني أن عمراً جديداً كُتب للنظام الإيراني.
* ينشر بالتزامن مع موقع «النهار العربي»