وفي المضمار نفسه، قدَّم رباعيّة «خواطر الصباح» (من 1967 إلى 2007) التي تندرجُ في مشهديّة أدب اليوميّات. ولعلَّ هذا النزوع الجارف إلى التأليف الأدبي قد تمخَّض عن تأثّره بردّة فعل المثقّفين الألمان خلال القرن التّاسع عشر حينما استشعروا تأخُّرَهم، فعادوا إلى كلّ ما يُلهبُ الوجدان، ويُسعِّر المشاعر الحسنة في أفلاك القلب من فنونٍ وآدابٍ، وإحياءٍ للّغة الألمانيّة العتيقة.
هذه الرباعيّة، التي زكَّت موسوعيّة العروي وتفرّده، هي توثيقٌ موضوعي، بوجعٍ جليٍّ، لواقعه اليومي، وللأحداث التي أدام النّظر فيها، والشواغل التي تسكنه، والتطلّعات التي يطمح إليها على مدى أربعة عقود.
لقد وثَّق في هذه اليوميّات حفنةَ أحداثٍ سياسيّة عاصَرها (نكسة العام 1967، وحرب الخليج وما أسفرت عنه من توتّراتٍ محليّة وعربيّة وعالَميّة، والصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وما تلاه من تحوّلات وصراعات إقليميّة ودوليّة، وانهيار أسطورة الاتّحاد السوفيتي، وانفراد أمريكا بريادة العالَم، ونزاع الصحراء بين المغرب والجزائر، وما ترتَّب عنه: الانقلاب داخل موريتانيا ومَيل ليبيا إلى التحالُف مع الجزائر كأنموذجَيْن.. إلخ)، ونَقَلَ لنا رأيه في جملة من التحوّلات الثقافيّة التي مسّت الرقعةَ العربيّة، ولعلّ أجلاها: انكفاء المثقّفين العرب وانغلاقهم وانحسارهم: طه عبد الرّحمن وهشام جعيّط كأنموذجَيْن (خواطر الصباح: 1982 – 1999، ط 1، 2005، ص 181-222)، إلى جانب التعبير عمّا يكتنز خاطره تجاه ما ينضحُ به الواقع الذي يوحي، في تقديره، بأنّ باب الأمل والتفاؤل موصودٌ في وَجهنا.
وليس بخافٍ على قارئ هذه اليوميّات أنّ العروي كان قد كَتبها بلغةٍ تنمُّ عن اهتمامه البالغ بالواقع؛ فالأحداث التي رَمقها وتأمَّلها بعناية عالية، سواء في المغرب أم في خارجه، تشي بذلك، لكنّها شهدت أيضاً طغياناً لأسلوب السرد الرّهيف والمُسترسِل الذي يدحر التأفُّف والسّأم عن القارئ، وغلبَ عليها الحسُّ الأدبي اللّيِّن، وهذا ما مَنحها امتيازاً كبيراً. ولتأكيد حضور نغمة السرد الأدبي في هذه الرباعيّة، على الرّغم من واقعيّتها، استدعي المُقْتَطَع الآتي: «رأيتُ فيما يرى النّائم منزلاً غير الذي أسكنه الآن، مجهَّزاً أتمَّ تجهيزٍ وبأثاثٍ فاخر. يكثر فيه الضيوف والزوّار. أتصوَّر أنّهم جميعاً من معارف وأقارب لطيفة. شبّانٌ وكهولٌ، رجالٌ ونساءٌ، يتجوّلون بحريّة، بل بغطرسةٍ، كما لو كان البيتُ بيتَهم والحفلُ حَفلَهم، وأنّهم جاءوا ليقيموا طويلاً فيه» (نفسه، ص 168). نَستقطر هنا أنّ الرباعيّة قد نجحت في استدراج الأديب المتواري خلفَ السياسي المُتهجِّسِ بإعضالات بلده، ليكون بذلك عملاً خلّاقاً «حضرت فيه ثنائيّة المثقّف/السياسي» (صدوق، «خواطر الصباح» للمفكّر عبد الله العروي، الفيصل، 487-488، ص 135). والرّاجح أنّ هيْمنة التفكير بالسياسة والواقع في الخواطر يعود إلى تزامن تدوينها مع «فترة غير عاديّة من التاريخ العربي المُعاصِر، فترةٌ ابتدأت بحربٍ وانتهت بأخرى. ابتدأت بهزيمةٍ كشفتْ فشلِ مشروع قوميٍّ حالِم، وتخلّلتها أزمةٌ أخرى انتهت بمِحنة» (بنعبد العالي، التاريخانيّة والتحديث، 2010، ص25).
المواطن المغربيّ وامتحان الحداثة
ظلّ العروي وفيّاً في الخواطر للانكباب على ما يمور به الواقع المغربي، إلى جانب الواقع العربي برمَّته، والرّاجح أنَّ هذا الوفاء نابعٌ من إيمانه بمستقبلٍ يُجافي الحاضر القاحل، وما يؤكّد ذلك هو الجزء الأخير الذي تضمَّن ترويسة «المغرب المُستحَبّ أو مغرب الأماني». إنّ التطلُّع الذي سكنه، وحضرَ بشكلٍ بائن في الخواطر، هو تحديثُ المجتمع، وإحرازُ رقيّه، وتخلّيه عن جملةٍ من العادات والتمثّلات التي استوطَنتِ التفكيرَ المغربي، وجَعلَتْهُ واهناً بلا طموحٍ واضح، علاوة على أنّه في هذه الترويسة يَضع تلميحاً إلى المغرب الذي يتشوَّقُ إليه. لا مِراء أنّ المواطن المغربي يعيش في دوّامة الحداثة الظاهريّة طيلةَ يومه، لكنّ تصرّفاته ومعاملاته اليوميّة هي إثباتٌ قاطعٌ على عدم إدراكه جوهر الحداثة الحقيقيّة واكتفائه، بدل ذلك، بحداثة القشور، وينعم أيضاً بحداثةٍ على مستوى التقنيّات والتجهيزات، ولكنّه يفتقد لـ«عقلانيّة السلوك»(«التحديث والديمقراطيّة»، آفاق، ع 3-4، 1992، ص 160) التي هي أحد مرتكزات الحداثة، ويجب أن تَكتسح يوم الإنسان من السَّحَر إلى الغسق، من دون أن يتمّ اختزالها في قطاعٍ معيّن وتغييبها عن مجالٍ آخر.
دَأب العروي على ضرْبِ الأمثلة لتوضيح مراميه من الغور في ذهنيّة المغاربة، واعتنائه بقضاياهم المصيريّة، ونُدرِج هنا بعض العبارات التي تُثبت ذلك: «المغاربة في الحقيقة لا يكونون كتلةً واحدة، ينقسمون إلى فئاتٍ تتحكّم في بروزها عوامل اقتصاديّة، اجتماعيّة، عرقيّة لغويّة. لا يدركون أنّ اتّباع السنّة، والوفاء للأعراف العتيقة في الكبيرة والصغيرة، هذا في حدّ ذاته يُذكِّر أنّنا بين العصر والمغيب (…) تقبيل اليد عادة ذميمة (…) حبّ الولاء هوى كلّ مغربي» («خواطر الصباح»: 2007 – 1999، ط 1، 2015، ص 12-44-77-82).
يَظهر في الخواطر أنّ العروي استهجنَ مرّة أخرى الفكر التقليدي، وهذا ينمُّ عن وعيه بمدى خطورة هذه الموجة وقوّتها، بخاصّة أنّها حَكمت مجتمعاً برمّته، ومن ثمّة غَدت تَسعد بمريدين يصعبُ عدُّهم وحصرُهم. وهذا التيّار لم يتوغّل في المجتمع ليُنتج لنا ذهنيّات محافظة تخافُ الارتداد عمّا هو مألوف، وتتوجّس الخروج من الجماعة، ولا تَعترف بالتفكير العقلي السّليم والنّاضج، بل وصل مدُّهُ إلى السياسة، وجَعَلَ الديمقراطيّةَ حليفةً ومُرادفةً للشورى، من دون أن يُدرك أنّ الشّورى ذات خصوصيّة تتقصّد خدمة الخالق، بينما الديمقراطيّة، التي هي مُتَحَدِّرَة من بنية الدولة العصريّة، تَسعى إلى خدمة المخلوق. إنّ الشورى هي أحد مداميك الدولة التقليديّة، وهذا التبايُن يتجلّى أساساً في أنّ «الدولة العصريّة في خدمة المخلوق لا الخالق» («خواطر الصباح» 1967 – 1973، ط 2، 2007، ص 102).
ومن مثالب التيّار التقليدي، النّاهج والمُتَّبِع سياسة «المحافظة على الموروث» الذي اكتسحَ العقليّة المغربيّة، هو أنّه تيارٌ اتّكاليّ ومُتخاذل، لا يعترفُ بالصناعة والعمل، ويُهمل الإنتاج، لأنّه يستكين إلى عقلٍ مُطلق؛ إذ في اعتقاده أنّ هذا العقل هو المتكفّل بتسيير أموره، وتدبير شؤونه. غيرَ أنّه، من باب إحقاق الحقِّ، فإنّ الدولة المغربيّة تُسهم في ذلك (زيادة صلابة الذهنيّة الاتّكاليّة) من خلال الإسراف في إقرار المناسبات والأعياد بلا مُبرِّر، و«إحياء ذكرى الاشتغال على كلام الأموات أكثر من الأحياء» («التحديث والديمقراطيّة»، ص 166) دونما علّة أو حاجة، وهذا يفضي إلى شحْذِ الكَسَلِ والجمودِ والركودِ والتواكُل. في حين أنّ الدولة العصريّة مُنشغلة بـ«مصلحة الجميع، وتهتمّ بالإنتاج»، وتبتغي ترسيخَ الحريّة في سلوك الأفراد لا الاقتصار على تدوين ذلك في الدساتير والصحف، بل تَجعلها دأباً يوميّاً، وهنا تلميحٌ بائنٌ للعقل القادر على التفكير والمُبادَرة لا العقل المتّكئ على التنظير والقول دون فعل – مبادرة ملموسة ومؤثّرة، إلى جانب أنّ الدولة العصريّة لا تعوِّل في سياستها على البيعة التي تعني غياب القانون، وفي المُقابل تقوّي أواصر الولاء بين الراعي والرعيّة في ظلّ عدم وجود أيّ حقّ أو قانون يحمي الرعيّة («خواطر الصباح»، 1967 – 1973، ص 22-99-106).
وأَشار العروي في سياق تشريع لأعطاب دنيا العرب: «التناحُر والانقسام، سواء بين الدول أم بين الأحزاب السياسيّة في كلّ قُطر، والهزائم العسكريّة، وبؤس الساسة، وأحلام الزعماء المثاليّة التي تُنافي الحقيقة، واندحار المثقّفين، وعقابيل الاستعمار، وصراع القديم والحديث، والاستسلام لوزر الماضي.. إلخ – إلى أنّ هذه الورطات قد تتكشّف في أيِّ كيانٍ من المسكونة، لكنّ الفَرق يتجلّى في الانفلات من صدمة الأزمة، وتخطّي حصائلها السلبيّة. إنّ السؤال الذي يُطرح هنا: كيف السبيل لتعدّيها؟ ما هي الوسائل التي يُمكن التمسُّك بها لتُسعفَنا في المُجاوَزة؟
رمق الفرد الأوروبي الحديث أزمات كانت أعمق من التي شهدها العرب، من حروب دينيّة، وهيْمَنة الكنيسة باحتكارها تأويل النصّ المُقدَّس، وتنصيب نفسها وسيطاً بين الربّ والفرد، وتراتبيّة اجتماعيّة، وانتكاسات اقتصاديّة عميقة، وتَسلُّط الإقطاعيّين، فضلاً عن اجتياح الأوبئة المِصدامة، لكنّه فلَحَ في تجاوُز هذه البلاوى. لكن، بماذا تجاوزها؟ يجيب العروي: بـ«الفنّ، والبحث العلمي، والتوسُّع، والتقدُّم الاقتصادي (المنطق الرأسمالي)، والنشاط السياسي». ماذا يبقى للعرب المهزومين نفسيّاً قَبل الرضوخ للهزيمة السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة؟ سيبقى لهم، في تقديره، «التصوُّف والتاريخ (الكتابة لا الفعل)، والذِّكر والذِّكرى. كلُّ واحدٍ يؤرِّخ لجماعته، لأسرته، لنفسه. يؤرِّخ ويتألّم، فيَغضب ويُحاكِم الأموات» (نفسه، ص 68).
أومأ العروي إلى أنّ هذه الحظوة التي تتمتّع بها نظيمة «التقليد» منذ مدّة طويلة لم تأتِ اعتباطاً، بل أَسهمت فيها عوامل عدّة، وفي طليعتها اهتمام الدّولة الزائد بها وبأفكارها، لتواصِلَ تمدُّدَها وانبساطَها، علاوةً على حصانة الكيانات التقليديّة: الزوايا وتكاثُر المُريدين فيها، والمدارس العتيقة، إلى جانب تغلْغل الموروث في نفسيّة الأفراد، سواء أكان مكتوباً أم شفهياً؛ إذ إنّ «التراث ليس جامداً بل هو مركَّب، تراكُمٍ من التقاليد كلّ واحد يؤثِّر في المجتمع وفي نفسانيّة الفرد بكيفيّة خاصّة» (نفسه، ص 98)، ثمّ الإصرار على مرادفة المفاهيم التقليديّة من قَبيل الشورى مع المفاهيم العصريّة مثل الديمقراطيّة، والاتّكال على الحظّ لا العمل، والبحث والأخْذ بالمبادرة، والعمل بجدٍّ وتفانٍ رغبةً في تحقيق أسباب النّهوض، هذه كلّها عوامل قوَّتِ الفكرَ التقليدي، وعزَّزتْ حظوظَه في الاستفحال والانتشار، لكنّ الأخطر في كلِّ هذا هو أن يصير همُّ الدولة هو دعْم التقليد وتبريره، وفي ذلك نسفٌ للمجهودات التنويريّة ومُكافَحةِ ذيوع الفكر المُنغلق؛ لأنّ حماية الدولة لأيّ أدلوجة فكريّة فتلك تزكيةٌ للتقليد. كتبَ محمّد سبيلا مُتَمِّماً هذا الزَّعم: «التقليد يحرسه ويرعاه العديد من الرّموز والمؤسّسات» («مدارات الحداثة»، 2009، ص 249).
ممّا سبق قد ينبجسُ في ذهن المتلقّي السؤالُ الآتي: كيف قَدِر العروي على المزْج بين الحسّ الأدبي الرّهيف والسرد المنساب واللّغة الصافية الخالية من المتاهات؛ وهذا ينمّ عن وعيه بالقصديّة والمطامح التي تاقَ إلى تحقُّقِها، وبين الأرق الذي استبدَّ به وهو يُشرّحُ الواقع المخنوق بالأزمات والمآزق التي مسّت مناحي الحياة، علاوةً على غاراته الشرسة التي شنّها على الفكر التقليدي راغباً في إصابة الهدف، على اعتبار أنّ هذا التيّار فَرْمَلَ مشروعَ الحداثة وأعاقَه. وحاصل القول: نستجلي أنَّ المزجَ بين المتباعد والمُتنائي هو ديْدن «داعية التاريخانيّة» من خلال غوْرِه في مجالاتٍ عديدة ومُتبايِنة، ومن ثمَّة يتعزَّز الاعتقادُ السائد والسّاري بأنّه «مثقّفٌ موسوعيٌّ وجامعٌ للتخصّصات»، ولا سيَّما أنّه على الرّغم من الأسلوب الأدبي الذي انفردت به الخواطر إلّا أنّه ظلَّ مُخلصاً لوجود المنطقيّ والعقلانيّ والموضوعيّة العلميّة» (صدوق، ص 135).
*باحث في الفلسفة من المغرب
* ينشر بالزامن مع دورية «أفق» الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي