لقد قرأت عن بلاد عسير وسراة غامد الكثير، وكنت أعرف أنها من أجمل نواحي الوطن العربي، ولكن هذا الجمال ما كان ليتجلى بروائه كله إلا بعد أن أسبغ اللّه على هذه البلاد نعمة الأمن والاستقرار والنظام والرخاء بفضل اللّٰه ثم همة الدولة السعودية المباركة الراشدة. ففي تلك البلاد التي لم يكن الزائر أو المسافر ليستطيع أن يجوس خلالها وهو آمن، أو يتمشى في مغانيها وهو هادئ النفس والقلب. وجدت نفسي أمضي وحدي نهاراً كاملاً ليس معي إلا شيء من الزاد، وقد رجوت تلميذي الذي استضافني أن يتركني على حريتي لأنني من عشاق الرياض، والغابات، ولا أشعر بجمالها كاملاً إلا إذا كنت وحدي وأتيح لي أن أقضي الساعات بين ألفاف الشجر، وهكذا دأبي إلى الآن، إذا ذهبت إلى سويسرا، فإن الناس يقصدون المدن وأنا أتجافى عن المدن، وآخذ القطار إلى بيلينزونا مثلاً في شمالي النَّسين، ومن هناك أخرج وحدي وعلى ظهري جراب الزاد وبعض أدوات تهيئة الطعام، ثم أمضي وفي يدي عصا التجوال في الكالانكاتال، أي وادي الكلانكا، وأوغل في جبال الألب وحدي، أنام كل يوم في قرية حتى أصل إلى سان برناردينو في قلب ما يسمى بالجداويوندتي، وهي كانت عندي أجمل بلاد اللّه، تليها بعد ذلك سفوح الألب الفرنسية عند شامونيكس ثم مغاني الاشفارتز فالد، أي الغابة السوداء، في وستفاليا من بلاد ألمانيا الغربية.
وفي تلك الأيام وجدت نفسي في سراة غامد، وأوغلت في الغابات وحدي وفي يدي العصا أتوكأ عليها، وأشعر وأنا أضرب في أطواء الشجر، أنني في غابات ورياض من أجمل ما خطر على قلبي، وأسأل نفسي مرة بعد أخرى: هذا الجمال كله في بلادنا العربية ونحن لا ندري! ونذهب إلى سويسرا وغير سويسرا نلتمس الجمال والجمال في بلادنا، ونتحدث عن زهور الألب ونشتري الكتب التي تصورها ونحملها إلى بلادنا لنستعيد ذكريات أيامنا في مغانيها مع أن اللّه أودع بلادنا من الجمال أضعاف ما أودع هناك، فهنا الجمال الطبيعي فطري كما خلقه اللّه. حقاً لقد أنشأت الدولة طرقا، ومدت خطوط الكهرباء، وبين الحين والحين تسمع صوت سيارة، ولكن السكون شامل والأشجار تحيط بك وترعاك، والزهور تطل عليك وتبتسم، والناس الطيبون تراهم من بعيد في قراهم ومزارعهم، وتجلس على سفح جبل وتفتح حقيبة زادك، وتنشر منديلاً على الأرض، وتضع ما تيسر لك من طعام، وتأخذ كوباً وتنهض إلى جدول ماء قريب وتملؤه ماء كأنه اللجين، وتأكل وتشرب هنيئاً، ويترامى إلى سمعك صوت المؤذن من بعيد فتتوضأ بماء كأنه البلور، وتقيم صلاتك، وتعود إلى مجلسك وتشعر بالأسى، لأن هذه المغاني كلها كانت إلى حين قريب مهامه مخوفة، ووديان لا يأمن الغريب فيها على نفسه، وكم قرناً بالله عليك ضيعناها في هذه المخاوف والظلمات، ويتردد في خاطري قول من قال:
كالعيس في البيداء يقتلها الظما
والماء فوق ظهورها محمول
1983*
*كاتب ومؤرخ مصري « 1911 – 1996».