ولا يأتي هذا القانون ضمن بيئة قانونية مدنية متوازنة بل يصدر في سياق احتلال عسكري طويل الأمد بما يجعله متعارضًا مع أحكام اتفاقية جنيف الرابعة، التي تُعد المرجعية الأساسية لحماية المدنيين والأشخاص الواقعين تحت سلطة الاحتلال وتؤكد ضرورة احترام كرامتهم وضمان محاكمتهم وفق إجراءات قضائية عادلة تتوافر فيها كل الضمانات القانونية.
كما يتعارض هذا القانون مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي ينص في المادة (6) على أن الحق في الحياة حق أصيل لكل إنسان، ولا يجوز حرمان أي إنسان من هذا الحق تعسفًا، ولا يُصار إلى تطبيق عقوبة الإعدام إلا في أضيق الحدود، وبعد محاكمة عادلة تستوفي كل الضمانات القانونية، بما في ذلك الحق في الطعن وطلب العفو.
ومن أبرز أوجه الخلل في هذا التشريع أنه يحرم المحكومين من حق طلب العفو أو تخفيف العقوبة، ويغلق باب المراجعة القضائية، بما يحوّل الأحكام إلى قرارات نهائية غير قابلة للطعن، وهو ما يتعارض مع أبسط قواعد العدالة الجنائية المعترف بها دوليًا.
كما تتجلى النزعة الانتقائية في هذا القانون بوضوح، إذ يقتصر تطبيقه على الأسرى الفلسطينيين دون غيرهم، وهو ما يكشف طبيعته التمييزية ويضعه في مواجهة مباشرة مع مبدأ المساواة أمام القانون وحظر التمييز، كما هو منصوص عليه في القانون الدولي لحقوق الإنسان.
ويثير هذا التشريع مخاوف جدية بشأن غياب ضمانات المحاكمة العادلة، وكفالات الإجراءات القانونية الواجبة، بما يهدد بتكريس ممارسات قانونية تفتقر إلى النزاهة والاستقلالية، ويقوّض المبادئ الأساسية للعدالة، لا سيما فيما يتعلق بحماية الحق في الحياة وصون كرامة الأشخاص الخاضعين للاحتلال.
وفي هذا السياق، حذّرت العديد من المنظمات الدولية، وفي مقدمتها منظمة التعاون الإسلامي، من خطورة هذا القانون، واعتبرته خطوة غير مسبوقة في تقنين القتل السياسي، ودعت إلى تفعيل آليات المساءلة والمحاسبة الدولية، واتخاذ موقف حازم وفوري لوقف هذه الانتهاكات وحماية حقوق الأسرى الفلسطينيين. كما أكدت الهيئة الدائمة المستقلة لحقوق الإنسان بمنظمة التعاون الإسلامي أن هذا التشريع ينطوي على طابع تمييزي واضح، ويقوّض ضمانات المحاكمة العادلة، ويكرّس انتهاك الحق في الحياة والمساواة أمام القانون، في مخالفة صريحة للمبادئ الأساسية للقانون الدولي.
لذلك، فإن استمرار هذا النهج التشريعي يعكس توجهًا مقلقًا نحو تقويض سيادة القانون، ويستدعي من المجتمع الدولي اتخاذ موقف حازم وفوري لوقف هذا الانزلاق الخطير، لا سيما في ظل ما تشهده الأراضي الفلسطينية المحتلة من ممارسات تشمل القتل خارج نطاق القانون، والعقوبات الجماعية، والتوسع الاستيطاني، واستهداف المدنيين، بما يشكل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
مطالبة إسرائيل بالالتزام بالقانون الدولي ليست موقفًا سياسيًا، بل واجب قانوني وأخلاقي تتحمله الدول والأطراف كافة، بما في ذلك الهيئات متعددة الأطراف كالأمم المتحدة ومجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية. فالقانون الدولي لا يمكن أن يُطبّق بشكل انتقائي، ولا أن يُستثنى منه طرف دون آخر، وعلى المجتمع الدولي أن يدرك أن الاستقرار العالمي لا يتحقق عبر البيانات أو المواقف الشكلية، بل من خلال احترام القانون وتفعيل أدوات المساءلة، وضمان عدم تحول القوة إلى أداة لفرض واقع قانوني مخالف لمبادئ العدالة.
استمرار هذه الانتهاكات دون مساءلة لا يهدد فقط حقوق الشعب الفلسطيني، بل يقوّض منظومة القانون الدولي بأكملها، ويفتح الباب أمام تآكل قواعد العدالة العالمية. فالقانون الدولي لا يمكن أن يُطبّق انتقائيًا، ولا أن يُترك رهينة لموازين القوة. ومن ثم، فإن التحرك الدولي الجاد لم يعد خيارًا، بل ضرورة ملحّة لحماية النظام القانوني الدولي وصون الكرامة الإنسانية.