وبعد نحو مئة عام من الإخفاق، لم يعد هناك رجاء في استمرار التعويل عليهما بصيغتهما التقليدية. كما أن العالم اليوم لم يعد يتقبل الدول القائمة على العِرق أو الاعتقاد.
وهذا طبعًا لا يعني التخلي عن الانتماء القومي أو الاعتقاد الديني للأفراد، كما كان يزايد أصحاب هذين المشروعين، بل يعني عدم كفاءتهما كإطار حاكم للعمل السياسي ومشروع لبناء الدولة.
فالدول تحدد حدودها الأرض، أي الحدود الجغرافية، والشعب هم البشر الموجودون على هذه الأرض داخل تلك الحدود الجغرافية بغض النظر عن اعتقاداتهم أو عروقهم.
بينما يقوم المشروع القومي في صيغته العرقية، وكذلك المشروع الإسلاموي في صيغته السياسية، على تصور يتجاوز هذه الحدود الجغرافية، سواء باسم العرق أو باسم الاعتقاد، وفي الوقت نفسه يخلع عن بعض أبناء الوطن مواطنتهم بناءً على هذه المعايير، ليتعلق بمشروع أممي متخيَّل له حدود شبحية غير مرئية على أرض الواقع. وهذا التناقض بين مفهوم الدولة الوطنية الواقعي، الذي له حدود جغرافية، ومفهوم المشروع الأممي المتخيل العابر للحدود، كان من أسباب تعثر هذين المشروعين.
كما أن تسييس العرق والاعتقاد لم يكتفِ بالفشل في بناء الدولة، بل أضرّ بهما كعاملَي توحيد يُفترض أنهما عاملان جامعان. فالاعتقاد حين يُختزل في تنظيم سياسي يتحول إلى أداة تفرقة، فيُتَّهَم من هو خارج الإطار التنظيمي السياسي بأنه خارج الدين ذاته، ويُقسَّم أبناء الدين الواحد على أساس الولاء الحزبي السياسي. وكذلك القومية حين تتحول إلى أيديولوجيا قبلية تخلق جدرانًا داخلية تُقسِّم أبناء الوطن.
وهكذا لم تؤدِّ هذه المشاريع إلى توحيد الأمة، بل عمّقت الانقسام داخلها، وأضعفت حتى القيم التي رفعت شعارات الدفاع عنها، وفشلت في بناء دولة تواكب الحضارة وينعم أبناؤها بالمواطنة الكاملة.
كما أنه من النادر أن يوجد بلد عربي اليوم متوحد بشكل كامل عرقيًا أو دينيًا، وحتى إن وُجد، فهذا وحده لا يكفي ليكون مشروعًا سياسيًا جامعًا قابلًا للاستمرار في عصرنا الحاضر.
وأيضًا، من ناحية أخرى، فإن وجود الأمة اليوم من غير مشروع فكري جامع يشكّل خطرًا آخر؛ إذ من الملاحظ أنه في الفترة الأخيرة تسربت مشاريع قد لا تكون صالحة للبيئة العربية، لكن الفراغ الذي نتج عن الشعور بفشل هذين المشروعين خلق قابلية لدى الشعوب العربية لأفكار ومشاريع غير ملائمة، بل وبعضها معادٍ وخطير على مستقبل الأمة.
وهنا تقع المسؤولية على عاتق المفكرين والذي طال صمتهم. ومن هنا تنبع الحاجة إلى مؤتمر فكري عربي، يكون شرط انعقاده الأساسي الاستقلال عن الأيديولوجيات المسبقة والتحرر من أي تبعيات.
مؤتمر يجتمع فيه أكبر عدد ممكن من المفكرين العرب ليناقشوا هذه المرحلة، ويبلوروا تصورًا فكريًا جامعًا مواكبًا للعصر، يستفيد من إيجابيات المشاريع السابقة ومن تجارب الأمم والحضارات الأخرى، ويصوغ مشروعًا فكريًا يلائم واقعنا.
كما يمكن لهذا الحدث أن يخلق قنوات تواصل بين المفكرين العرب الذين، للأسف، يفتقرون اليوم إلى قنوات تواصل وحوار حقيقي منتظم. فقد أسهمت الحروب في تشتيت كثير منهم في أصقاع الأرض أو عزلهم داخل أوطانهم المنهكة.
وعليه، فإننا ندعو إلى عقد مؤتمر فكري عربي يُحتشد فيه أكبر عدد ممكن من المفكرين لمناقشة هذه المرحلة التي طُويت فيها صفحة المشاريع السابقة بصيغتها التقليدية، والبحث في البدائل الممكنة والسبل الواقعية لتأسيس مشروع فكري جديد يُبنى على المواطنة الكاملة لجميع أبناء الشعب على قدم المساواة، وبما ينسجم مع واقع العالم اليوم، ويخلق البيئة التي تُنبت تطلعات الأمة لمواكبة ركب الحضارة المتسارع، والذي تأخرنا عنه كثيرًا.