الطب بطبيعته، مهنة إنسانية تبنى على المهارة والضمير والمعرفة. لكن ما يغيب عن كثير من النقاشات العامة هو أن الطبيب لا يعمل في فراغ. هو يعمل داخل نظام يحدد له الوقت، والموارد، والمسار، وأحيانًا القرار نفسه. وحين نغفل عن هذا السياق، نقع فيما يمكن تسميته «النقطة العمياء» في الطب: التركيز على الفرد، وتجاهل فجوات النظام الصحي.
في غرف الطوارئ المزدحمة، أو العيادات المكدسة بالمواعيد، قد يخطئ الطبيب في تشخيص، أو يتأخر في قرار، أو يبدو أقل تعاطفًا مما ينبغي. ومن السهل حينها أن نحمله المسؤولية كاملة. لكن نادرًا ما نسأل: كم مريضًا كان عليه أن يرى في ساعة واحدة؟ ما حجم العبء الإداري الذي يرافق كل قرار؟ وهل صمم النظام ليساعده على التفكير… أم فقط على الإنجاز السريع؟
الأنظمة الصحية الحديثة، رغم تطورها التقني، قد تنتج مفارقة قاسية: أطباء أكفاء يعملون داخل بيئات تصعب عليهم ممارسة الطب الجيد. بروتوكولات متراكمة، مؤشرات أداء لا تنتهي، أنظمة إلكترونية تستهلك الوقت أكثر مما توفره، وثقافة مساءلة تركز على «من أخطأ» أكثر من «لماذا حدث الخطأ؟». في مثل هذه البيئات، لا يكون الإخفاق نتيجة ضعف مهني، بل نتيجة تصميم سيئ.
المشكلة أن النظام الجيد غير مرئي عندما يعمل كما ينبغي، بينما يظهر النظام السيئ فقط عند وقوع الخطأ. وحينها نميل إلى إصلاح النتيجة لا السبب. نضيف تدريبًا، أو تعميمًا، أو إجراءً جديدًا، دون أن نعيد النظر في البنية التي أنتجت المشكلة من الأساس. وهكذا تتكرر الأخطاء بأشكال مختلفة، ويبقى السؤال الجوهري بلا إجابة.
في السعودية، تكتسب هذه القضية بعدًا مختلفًا. فالمملكة لا تمر بمرحلة تحسين تدريجي فحسب، بل تشهد تحولًا صحيًا شاملًا رائدًا يعيد تعريف طريقة تقديم الرعاية، وإدارة النظام، وربط الجودة بالقيمة. هذا التحول لا يركز فقط على تحديث المباني أو إدخال التقنية، بل على معالجة فجوات النظام نفسه: إعادة تصميم مسارات الرعاية عبر «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، تحسين الحوكمة، تمكين الكوادر، وبناء منظومة مساءلة أكثر عدلًا واتزانًا.
والقيمة الحقيقية لهذا التحول تكمن في انتقال التفكير من منطق «من أخطأ؟» إلى «أين يكمن الخلل الذي سمح بحدوث هذا الخطأ؟»، ومن معالجة الحوادث الفردية إلى بناء بيئات عمل أكثر أمانّا واستدامة. فحين يصمم النظام ليسهل القرار الصحيح، ويمنح الطبيب وقتًا للتفكير، ومساحة للتواصل، وأمانًا مهنيًا، تقل الأخطاء تلقائيًا، حتى قبل أن نبحث عن المذنب. ومن هنا فإن برنامج التحول الصحي في المملكة ليس ترفًا تنظيميًا بل ضرورة وطنية، ولله الحمد فقد تحقق فيه الكثير، وما تحقق يؤكد أن إصلاح النظام هو الطريق الأكثر عدلًا وفعالية لحماية المريض والطبيب معًا.
حين نغير زاوية النظر تتغير الأسئلة نفسها. لا يعود الاهتمام منصبًا على الشخص الذي كان في الواجهة، بل على المسار الذي قاده إلى ذلك القرار. نبدأ بمراجعة السياق، وتسلسل الأحداث، ونقاط التعقيد التي تراكمت بصمت حتى جعلت الخطأ ممكنًا. في هذا الفهم، لا تلغى المسؤولية الفردية، لكنها لا تحمل فوق ما تحتمل، بل تفهم كجزء من منظومة أوسع تحتاج إلى إعادة تصميم وتقويم واعٍ.
في النهاية حين نستمر في معالجة الأخطاء دون معالجة جذور مسبباتها، نعيد إنتاج المشكلة باسم الجودة. أما حين نصلح فجوات النظام فإننا لا نحمي الطبيب فحسب، بل نحمي المريض… ونحمي مستقبل الرعاية الصحية بأكمله.