والمتحف المذكور يُعتبر الأوّل من نوعه في لبنان والعالَم العربيّ، لجهة تجسيد ذاكرة الشاعر الإبداعيّة وحيثيّاته الشخصيّة والتاريخيّة بتقنيّة الذكاء الاصطناعيّ، المُتضمّنة بدورها وقائع افتراضيّة، وآليّات تفاعليّة، وشاشات ثلاثيّة الأبعاد لمتواليات قصائده ونصوصه المسرحيّة وسرديّاته النثريّة متعدّدة الموضوعات؛ وكذلك لفنّ الخطابة الجهوريّة التي كان يتميّز بها.. لغةً، صوتاً وأداءً عامّاً.. علاوةً على حواراته الإذاعيّة والتلفزيونيّة وفي الصحافة الورقيّة على اختلاف منابرها اللّبنانيّة والعربيّة وحتّى الدوليّة.. فضلاً عن تسجيلات لمواقفه الوطنيّة والفكريّة والإيديولوجيّة تجاه لبنان، الذي لا يُقاس بالجغرافيا والديموغرافيا على حدّ قوله، ولكن بالتبادُع والنوعيّة والإشعاع الحضاريّ.
والحدث الاحتفائي التكريمي هذا كانت وقائعه قد جَرت في “القصر البلديّ” في مدينة زحلة برعاية رئيس الجمهوريّة العماد جوزاف عون، مُمثَّلاً بوزير الثقافة د. غسّان سلامة، والذي لم يَقتصر تمثيله المذكور على رئيس البلاد فحسب، وإنّما شملَ أيضاً تمثيلَ كلٍّ من رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي ورئيس مجلس الوزراء نوّاف سلام.
جدير بالذكر أنّ هذا الحدث الثقافيّ الاستثنائيّ جاءَ بمُبادَرةٍ تاريخيّة لافتة من “بلديّة زحلة – معلّقة وتعنايل”، و”مجلس قضاء زحلة الثقافيّ” بالتعاون مع “جامعة سيّدة اللّويزة” المشهود لها حقيقةً بإقامة التظاهرات الثقافيّة النوعيّة في لبنان، وهذا الأمر، على ما يبدو، هو الذي جَعَلَ الشاعرَ الراحل سعيد عقل يُوافِق سلفاً، وبكامل الثقة والقناعة، على إيداع مكتبته الخاصّة وسائر مخطوطاته ومحفوظاته في أمانة يد تلك الجامعة الوطنيّة العتيدة ليَستفيدَ منها كلُّ راغبٍ بالاستفادة.
وبما أنّنا في جوّ الكلام على جامعة اللّويزة ونشاطاتها، فينبغي التنويه هنا بأنّ الذي قدَّم حفل افتتاح مشروع “متحف سعيد عقل إن حكى” كان مدير الشؤون العامّة والبروتوكول فيها الإعلاميّ ماجد أبو هدير … وممّا جاءَ في كلمته: “من زحلة، المدينة التي تنبض بالشعر والهويّة نؤكّد أنّ حلم مجلس قضاء زحلة بإقامة متحف شاعر لبنان لم يتوقّف يوماً، بل كان استحقاقاً تُرجمت إرادته عَبر بلديّة زحلة التي خصَّصت عقاراً لقيام هذا المتحف، والذي سيبقى يَنبض بروحه.. وبذلك فسعيد عقل لم يَمُت ولن يموت”.
بعده جاءت كلمة رئيس بلديّة “زحلة – معلّقة وتعنايل”، المهندس سليم غزالة الذي أكّد أنّ زحلة “تشيّد اليوم صرحاً يليق بعملاق الكلمة اللّبنانيّة، لا بوصفه شاعراً فحسب، بل مدرسةً وناقوساً لصحوة الوجدان”، مردفاً أنّ سعيد عقل “هو الذي رَسَمَ للبنان في فلسفته مكانةَ الأبد”.. وأنّ “المتحف ليس مشروعاً تقنيّاً فحسب، بل هو جسر يمتدّ من الذاكرة إلى المستقبل”.
من جانبها أيضاً، ألقت رئيسة “مجلس قضاء زحلة الثقافيّ” كريستين زعتر كلمة طافحة بالوجدان والرومانسيّة المحبّبة، ذَكرت فيها أنّ “الشاعر سعيد عقل ما زال ينهض في كلّ فجر على غرار نهوض شجرة صنوبر تنمو في الريح، ولا يزال صدى صوته يُطلّ كلّ صباح من حنجرة فيروز”.
وأشارت إلى أنّ “المتحف بتقنيّاته التفاعليّة والافتراضيّة لن يكون مجرّد صرحٍ ثقافي، بل مركز استقطاب وإبهار للزائرين، يُثبت أنّ فكر سعيد عقل لا يشيخ”.
بدوره ألقى رئيس جامعة اللّويزة الأب بشارة الخوري كلمة أعلن فيها “أنّ الجامعة تقف اليوم أمام مناسبة تُعيد إلينا بعضاً من لبنان الضوء والرقيّ والإبداع”. ولفتَ إلى “أنّ دمج الذكاء الاصطناعي في تصميم هذا المتحف ليس تفصيلاً تقنيّاً، بل هو خيارٌ فكريّ يُعيد رسْمَ علاقة الزائر بالذاكرة، ناقلاً إرث الشاعر من عالَم الورق والزجاج إلى فضاءٍ يتكلّم ويتنفّس”.
بعد ذلك ألقى وزير الثقافة د. غسّان سلامة كلمةً كان للشعر فيها المحلّ الأبرز، مُتسائلاً: “ما الشعر؟ الشعر متعة، نُدنْدن الكلمات ونتمتّع بموسيقاها. والشعر خيط يَجمعنا بالتراث، وبالتاريخ، وبأصول هويّتنا. نحن نَحفظ شعراً كُتب قَبل 1500 عام بالهمّة نفسها التي نَحفظ بها شعراً كُتب قَبل أمس، لأنّ هناك في الشعر، ولاسيّما لدى أبناء الضّاد، رابطاً قويّاً بين اليوم والأمس، بين الحاضر والماضي وبين الحداثة والتراث”.
وأَردف: “الشعر هو أيضاً دواء للمُتعَب، دواء للمُحبَط. وأعترف لكم أنّني عندما كنتُ أيأس في عملي من التوصُّل إلى حلّ، أو وقف لإطلاق نار في شوارع بغداد أو بنغازي أو رانغون، كنتُ ألجأ في المساءات إلى قراءة المتنبّي وبدر شاكر السيّاب وسعيد عقل.. فأَجِد في أبياتهم جميعاً ما يُعطيني زخماً لليوم التالي كي أستمرّ بمهمّتي محاولاً الوصول إلى نتيجة مع غلاظ القرن”.
وخصَّ الوزير سلامة بالشكر والتحيّات “المجلس البلدي في زحلة”، و”المجلس الثقافي لقضاء زحلة”، و”جامعة اللّويزة” منوِّهاً بتكاتُف جهودهم وإمكاناتهم كي يولد مشروع المتحف الاستثنائي لهذا الشاعر الأكثر استثناء.
وقال مُخاطِباً إيّاهم: “أمّا اهتمامكم بأن يكون المتحف قائماً على الذكاء الاصطناعي، ففي ذلك شجاعة وحُسن تدبير… إنّ هذا التزاوُج بين إمكانات الذكاء الاصطناعي وبين العاطفة البشريّة، هو ما أتوقّعه من هذا المتحف. وأهنّىء أصحاب المُبادَرة إليه، وأنقل إليهم التزامَ الوزارة التي كُلِّفتُ بها في أن تكون إلى جانبهم في كلّ خطوة من خطواتهم”.
فؤاد الترك وسعيد عقل
شخصيّاً، ومنذ عقودٍ طويلة وأنا أسكن وأعمل في مدينة زحلة، وكنتُ ولم أزل على صلةٍ وثيقة بالعديد من نُخبها الإبداعيّة والفكريّة والثقافيّة، وعلى رأسهم بالطبع الشاعر سعيد عقل نفسه، وكذلك السفير المثقّف جدّاً واللّبق جدّاً جدّاً فؤاد الترك، والذي كان في المناسبة الشخص الأكثر أمانةً وموثوقيّةً لجهة الصداقة الخالصة التي تربطه بالشاعر سعيد عقل، وعلى مدىً زمنيّ تَجاوز الـ 55 سنة، وكان صاحب “رندلى” يأتمنه على كلّ شيء، ويَستشيره في كلّ مشروع إبداعي أو ثقافي يتعلّق به، سواء على مستوى كتابة قصيدة وأخْذ رأيه فيها، أم بخصوص مهرجانات واحتفاءات كانت تُقترح عليه لتكريمه. وكنتُ شخصيّاً شاهدة على أكثر من اقتراح في هذا المجال، كان آخرها اقتراح الاحتفاء بمئويّة سعيد عقل في قصر الأونيسكو في بيروت، والذي جَرت وقائعه في الرابع من تمّوز/ يوليو 2012، أي في التاريخ نفسه الذي يكون خلاله الشاعر قد أتمَّ بلوغ عامه المائة. وكان السفير فؤاد الترك هو العماد الأساس لهذه التظاهرة الثقافيّة التكريميّة، إنْ لجهة التنظيم المركزيّ لها، أو اختيار الشخصيّات المُشارِكة فيها (من داخل لبنان وخارجه) أو حتّى الأمور التي يجب تجنّبها لإنجاح المقاصد والأهداف، وكلّ ذلك بالتنسيق مع الشاعر المعنيّ، وأخْذ موافقته المسبّقة على كلّ شيء.. إلخ.
وحَدث أن حضرَ الشاعر سعيد عقل في اليوم الموعود إلى قصر الأونيسكو ليكون شاهداً بالمباشر على وقائع حفل تكريمه المئوي، وكان وقتذاك على كرسيٍّ نقّال.. وكنتُ أنا على مقربةٍ شديدة منه، حيث سمعته عندما وصلَ إلى بوّابة قاعة الاحتفال الكبرى للأونيسكو يَهتف بصوت عالٍ: “أين هو فؤاد الترك؟.. لماذا لا أراه؟.. أريده أن يكون بجانبي الآن، تماماً كما العادة في كلّ مناسبة سابقة كان هو “زنبركها” الأساس”.
بَعدها جرتْ وقائع الاحتفال الحاشد بمئويّة سعيد عقل وشاركتْ فيها فعاليّاتٌ لبنانيّة وعربيّة مميّزة.. وقُرِأت يومها كلمة فؤاد الترك بالنيابة، وجاء فيها: “من نِعَمِ الله على إنسان أن تمرّ مئة سنة على ولادته وهو على قيد الحياة.. ومن نِعَمِ الله على وطن الأرز أنّه ولأوّل مرّة في التاريخ يُحتفل بمئويّة مُبدِع وهو ما زال بيننا.. هذا المُبدِع هو الشاعر الكبير سعيد عقل”.
أمّا سبب تغيُّب السفير فؤاد الترك عن هذه المناسبة الكبرى، فهو إصابته بعارضٍ صحيّ مفاجىء، نُقل على أثره إلى المستشفى ولم يُفلِح الأطبّاء في علاجه، ففارَق الحياة هكذا قَبل صديقه الاستثنائي سعيد عقل الذي عاش 102 سنة… وعندما نذكر صفة “استثنائي” هنا، فلأنّ هذا التوصيف هو في مكانه الأكثر مواءمة ودلالة، فالراحل فؤاد الترك كان أكثر من توأمٍ روحيّ لسعيد عقل وأكثر من أخ مؤتَمنٍ على سائر طلبات أخيه الضروريّة، ومنها على سبيل المثال قراءة شعره، إذ كان سعيد عقل لا يَستسيغ سماع قصائده بالفصحى والعاميّة، إلّا عَبْرَ صوت فؤاد الترك، وجودة إلقائه الرخيم والمؤثّر للغاية.
زحلة الاستثناء في تكريم مُبدعيها
تُعَدّ زحلة في مقدّمة المُدن اللّبنانيّة وربّما العربيّة التي كَرّمت وتُكرِّم أبناءها المُبدعين، خصوصاً لجهة إقامة نصبٍ تذكاريّة لهم في حدائقها الغنّاء وعلى ضفاف البردوني، ومن أبنائها المُكرَّمين نذكر الشعراء: جوزف الصايغ وميشال طراد وسعيد عقل.. فضلاً عن الرائد المُختصّ بالمسرح العالَمي القديم وأستاذ فقه المسرح اليوناني أنطوان معلوف.
على أنّ الشاعر سعيد عقل كان له قصب السبق في التكريم المكرّر بين أسماء الذين ذكرناهم جميعاً، فبالإضافة إلى تكريمه عَبْرَ إقامة صرح المتحف الحديث، والذي هو موضوع مقالتنا المركزيّة هذه؛ كانت “بلديّة زحلة – المعلّقة” قد كرّمته في العام 2009 بمهرجانٍ حافلٍ أُقيم في أوتيل قادري بمناسبة وضْع الحَجَر الأساس لـ “مركز سعيد عقل الثقافي”… والذي قال فيه الشاعر من ضمن ما قال: “يا أهلي في زحلة، يا مَن اتّخذتم قرارَ إنشاء هذا الصرح أنتم الكبار… ويا زحلة كنتِ أنتِ العظيمة في العهد التركي، واليوم في عهد لبنان الكبير لا تزال كلمتكِ هي الكلمة الأولى”.
وفي العام 2017 أُقيم للشاعر عقل في البارك البلدي أيضاً مهرجانٌ تحت عنوان: “سعيد عقل.. مجدكَ يا لبنان”.
باختصار، ومهما يكُن من أمر، فإنّ “شاعر زحلة” سعيد عقل يَستحقّ هذا التكريم المكرَّر من أبناء مدينته؛ كما تَستحقّ المدينةُ نفسها أن تُكرَّم بدورها بوجود متحفه فيها، لأنّها لم تَترك فرصةً لشاعرها إلّا وعبّرت معها عن حبّها له، والافتخار به، والاحتشاد لاسمه.. تماماً مثلما سَبق واحتشدت “عروس البقاع” من قَبل لأسماء شعراء وفنّانين عرب كبار كانوا قد زاروها، وقالوا فيها شعراً، وغرّدوا ألحاناً، فخلّدتهم بدَورها وخلّدوها.. أوَ ننسى هنا، مثلاً، الشاعر الكبير أحمد شوقي وقصيدته التي أبدعها في عشْقِ زحلة: “جارة الوادي”، والتي عندما قَرأها للمرّة الأولى أمام أقرب المُقربّين من أصدقائه: موسيقار الأجيال محمّد عبد الوهّاب.. والصحافي الكبير فكري أباظة.. قال له عبد الوهّاب: “هذه القصيدة أبدعتها يا أستاذنا كي تُغنّى”. وهكذا كان.. لَحنّها عبد الوهّاب بنفسه ثمّ غنّاها، وكذلك غنّتها من بَعده سفيرتُنا إلى النجوم: فيروز.. ومن بعدهما قامَ بغنائها كلٌّ من المطربة نور الهدى والمطرب المغربي عبد الهادي بلخيّاط.. من هذه القصيدة نختار:
يا جارة الوادي طربتُ وعادني
ما يُشبه الأحلام من ذكراكِ
مثّلتُ في الذكرى هواك وفي الكرى
والذكريات صدى السنين الحاكي
لم أدرِ ما طيب العناق على الهوى
حتّى ترفّق ساعدي فطواكِ
وتعطّلت لغةُ الكلام وخاطبت
عينيّ في لغة الهوى عيناكِ
لا أمس من عُمر الزمان ولا غدٌ
مع الزمان فكان يوم رضاكِ
*باحثة وكاتبة من لبنان
*باحثة وكاتبة من لبنان
* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الإلكترونية الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.