في حديث ابن خلدون عن كُتبه يقول: رتّبته على مقدّمة وثلاثة كُتب: المقدّمة في فضل علم التاريخ، وتحقيق مذاهبه، والإلماع بمغالط المؤرّخين.
الكتاب الأوّل في العمران، وذكر ما يعرض فيه من العوارض الذاتيّة من المُلك والسلطان والكَسب والمعاش والصنائع والعلوم، وما إلى ذلك من العِلل والأسباب.
والكتاب الثاني في أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبدأ الخليقة إلى هذا العهد، وفيه الإلماع ببعض مَن عاصرهم من الأُمم المشاهير ودولهم، مثل النبط والسريانيّين والفُرس وبني إسرائيل والقبط واليونان والروم والترك والإفرنجة.
أما الكتاب الثالث ففي أخبار البربر ومَن إليهم من زناتة، وذكر أُوليتهم وأجيالهم، وما كان لهم بديار المغرب، خاصّة من المُلك والدول.
فواضح من وصْف ابن خلدون لأجزاء كِتاب العِبَر أنّه لم يَذكر شيئاً عن أسبقيّة كتابة هذا الكِتاب، وتأخُّر تأليف الكتابيْن الآخريْن.
من جهةٍ أخرى، يتحدّث ابن خلدون عن الزمن الذي قضاه في تأليف المقدّمة، لكنّه لا يَذكر متى كَتبها: هل قَبل أو بَعد الكتابيْن الآخريْن من كِتاب العِبَر؟ فيَكتب في السطور الثلاثة الأخيرة من مقدّمته: «قال مؤلِّف الكتاب -عفا الله عنه- أتممتُ هذا الجزء الأوّل، المشتمل على المقدّمة بالوضع والتأليف، قبل التنقيح والتهذيب، في مدّة خمسة أشهر، آخرها منتصف عام تسعة وسبعين وسبعمائة، ثمّ نقَّحته بعد ذلك وهذَّبته، وألحقتُ به تواريخ الأُمم كما ذكرتُ في أوّله وشرطتُه، وما العِلم إلّا من عند الله العزيز الحكيم».
أمّا حديث ابن خلدون عن كِتاب العِبَر والمقدّمة في كتابه «التعريف بابن خلدون ورحلتِه غرباً وشرقاً»، فهو كالتالي:«..وشرعتُ في تأليف هذا الكتاب – العِبَر- وأنا مُقيم بها (قلعة ابن سلامة)، وأكملتُ المقدّمة على ذلك النحو الغريب، الذي اهتديتُ إليه في تلك الخلوة، فسالتْ فيها شآبيب الكلام والمعاني على الفِكر، حتّى امتخضتْ زبدتُها، وتألَّفتْ نتائجها» (ص 246). يتّضح من جديد أنّ ابن خلدون مهتمٌّ أكثر بالحديث عن المقدّمة من كِتاب العِبَر، ويشير كلامه إلى الاثنَيْن، كأنّه بدأ تأليف كِتاب العِبَر قَبل المقدّمة. فقدان الإشارة إلى المقدّمة
لم يَقع ذكرُ الكتاب الأوّل «المقدّمة» في المجلّدات الستّة الباقية من كِتاب العِبَر التي تُمثّل تاريخ العرب والبربر وغير العرب وزناتة. ففي المجلّد الثاني الذي يَلي المجلّد الأوّل (المقدّمة)، في نشْر دار الكتاب اللّبناني بالعام 1977، لا يوجَد ذكر من طَرَفِ ابن خلدون في الصفحات الأولى من المجلّد الثاني ربطاً بأفكار المجلّد الأوّل (المقدّمة). ونَجد أيضاً الصمت الكامل عن ذِكر المقدّمة في خاتمة سطور المجلّد السابع الذي تنتهي به صفحات كِتاب العِبَر، حيث كان من المُناسب في خاتمة هذا المجلّد الأخير من العِبَر أن يُلقي ابن خلدون نظرةً على بعض الأحداث التاريخيّة في المجلّدات الستّة من خلال الأفكار والقوانين العمرانيّة الموجودة في كِتاب المقدّمة. فيُشير هذا الصمت إلى أنّه لم يَكتب المقدّمة قَبل تأليفه الأجزاء التاريخيّة من العِبَر. وممّا يزيد في مُساندة ذلك أنّ تعليقات نقّاد ابن خلدون تلومه على عدم إظهار عقله الناضج الذي تحتضنه المقدّمة، واستعماله في كتابة بقيّة كتابَيْ العِبَر، لأنّ المقدّمة كُتبت بعدهما.
موقف الجابري ووافي في الأمر
كَتب محمّد عابد الجابري أطروحتَه في الدكتوراه حول فكر ابن خلدون، وكانت بعنوان»فكر ابن خلدون: العصبيّة والدولة.. معالِم فكريّة خلدونيّة في التاريخ الإسلاميّ«. أمّا علي عبدالواحد وافي، فقد نَشَرَ كُتباً كثيرة حول ابن خلدون، في طليعتها بحثٌ مكثّفٌ وعميقٌ بالمقدّمة في ثلاثة مجلّدات، تتخلّلها تعليقاتٌ لا تُحصى، وكتابُ»عبقريّات ابن خلدون«. ومن ثمّ، فإنّهما يُعتبران رائدَيْن في دراسة التراث الفكري الخلدوني، فالجابري يُعبِّر عن رأيه بخصوص كتابة ابن خلدون لكتبه بالقول:»لقد بَدأ ابن خلدون في كتابة التاريخ – أو في إملاء الكثير منه على مَن حفظه منه – عقب وصوله إلى القلعة (قلعة بن سلامة) مباشرةً، أي قَبل الشروع في المقدّمة. وخلال تنظيمه المعلومات التي استقاها من هنا وهناك، ومراجعته أمّهات الكُتب المتوافرة لديه آنذاك مراجعةَ الناقد البصير، المسلَّح بفكرٍ فلسفيّ ومنطقٍ صارِم، راعَه ما اشتملت عليه الكُتب والمؤلَّفات من أخبارٍ خرافيّة، ومُبالغاتٍ وأخطاء، فقفزَ إلى ذهْنه ما ترسَّب فيه من ملاحظاتٍ واستنتاجاتٍ في شؤون السياسة والاجتماع، ما دَفعه إلى التفكير في وضْع أصول وقواعد للكتابة التاريخيّة، فكانت النتيجة هذا العمل المُبدع الذي كَتب له الخلود«(فكر ابن خلدون – ص 62).
وبالنسبة إلى الأستاذ وافي، فإنّه يُلخِّص رأيه في الموضوع في السطور التالية: «..وقد شرعَ ابن خلدون في تأليف كتاب العِبَر بأواخر 776 هجري، وانتهى من تأليفه في وضعه الأوّل في أواخر سنة 780 هجري. وبذلك يكون تأليفه في أوّل وضع له قد استغرقَ زهاء أربع سنوات. وقد نقلنا في ما سبق ما ذكره في صلة تأليف مقدّمته، وأنّه قد ألَّفها في خمسة أشهر منتصف عام 779 هجري. وبذلك يكون قد شرعَ في تأليف المقدّمة بعد فراغه من تأليف الأقسام التاريخيّة من كتاب العِبَر في أوّل وضع له أو قُبيل فراغه منها». (عبقريّات ابن خلدون – ص 68).
مفهوم البرادايم وتأخُّر تأليف المقدّمة
يرى فيلسوف العلوم توماس كون Thomas Kuhn أنّ الثورات العلميّة (ميلاد أفكار جديدة) تَحدث عندما تتعرّض الأُطر الفكريّة (Paradigms) الموجودة في فتراتٍ معيّنة إلى أزمات. فعِلم التاريخ العربي عَرف أزمةً في عهد ابن خلدون وقَبل ذلك. يُعبِّر صاحب المقدّمة عن تلك الأزمة في عِلم كتابة أحداث التاريخ العربي الإسلامي بعباراتٍ شفّافة، نكتفي بذكْرِ عيّنة منها تَصف، الأزمة وتَطرح أسبابَها ومن ثمّ حلولَها:
1 – «..وأنّ فحول المؤرِّخين في الإسلام قد استوعبوا أخبارَ الأيّام وجمعوها، وسطَّروها في صفحاتِ الدفاتر وأودعوها، وخَلطها المتطفّلون بدسائس من الباطل وهموا فيها أو ابتدعوها، وزخارف من الروايات المضعّفة لفّقوها ووضعوها، واقتفى تلك الآثار الكثيرُ ممَّن بعدهم واتَّبعوها. وأدّوها إلينا كما سمعوها، ولم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال ولم يراعوها، ولا رفضوا ترّهات الأحاديث ولا دفعوها. فالتحقيق قليل، وطَرف التنقيح في الغالب كليل، والغَلَط والوهْم نسيبٌ للأخبار وخليل، والتقليد عريقٌ في الآدميّين وسليل..» (مقدّمة ابن خلدون – ص 3 و4).
2 – «فإذن يحتاج صاحبُ هذا الفنّ (التاريخ) إلى العِلم بقواعد السياسة، وطبائع الموجودات، واختلاف الأُمم والبقاع والأعصار في السيَر والأخلاق والعوائد والنِّحَل والمَذاهب وسائر الأحوال، والإحاطة بالحاضر من ذلك، ومُماثَلة ما بينه وبين الغائب من الوفاق أو بون بينهما من الخلاف، وتعليل المتّفق منها والمُختلف، والقيام على أصول الدول والمِلل، ومبادئ ظهورها وأسباب حدوثها، ودواعي كونها وأحوال القائمين بها وأخبارهم، حتّى يكون مستوعِباً لأسباب كلّ حادث، واقفاً على أصول كلّ خبر. وحينئذ يَعرض خبرَ المنقول على ما عنده من القواعد والأصول، فإنْ وافقها وجرى على مقتضاها كان صحيحاً، وإلّا زيَّفه واستغنى عنه. وما استكبرَ القدماء عِلمَ التاريخ إلّا لذلك، حتّى انحله الطبري والبخاري وابن إسحق من قَبلهما، وأمثالهم من عُلماء الأمّة. وقد ذهل الكثير عن هذا السرّ فيه حتّى صار انتحاله مجهلة، واستخفَّ العوامّ ومَن لا رسوخ له في المعارف مطالعته وحمله والخوض فيه والتطفّل عليه، فاختلط المرعي بالهَمَل واللّباب بالقشر، والصادق بالكاذب» (ص21 و22).
فنقْد ابن خلدون المؤرِّخين العرب والمُسلمين يشير إلى اطّلاعه على مؤلَّفاتهم، بخاصّة قَبل وفي أثناء تأليفه الكتابَيْن الثاني والثالث من كتاب العِبَر. وبتعبير توماس كون، فإنّ صاحب المقدّمة يَصف وجود أزمة في الأطر الفكريّة لأولئك المؤرِّخين، ومنه جاء ميلاد إطار فكريّ جديد/ برادايم المتمثّل في إنشاء ابن خلدون علمه الجديد: علم العمران البشري. يَعتبر «كون» أنّ هذا الإطار الفكري الخلدوني الوليد هو إطارٌ علميٌّ ثوريٌّ في مصطلح فلسفة العلوم الذي يتبنّاه هو وغيره في تحليل مسيرة العلوم وتطوّرها؛ أي أنّ الفكر الخلدوني في المقدّمة قد أَحدث قطيعةً فكريّة معرفيّة ضدّ الأُطر الفكريّة التي تبنّاها المؤرِّخون العرب والمُسلمون في مؤلّفاتهم في عِلم التاريخ التي رأينا سابقاً بعضاً مِن نقْد صاحب المقدّمة لهم.
*عالِم اجتماع من تونس
* ينشر بالتزامن مع دورية «أفق» الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي