متابعة / المدى
أثارت الضربات التي شنتها واشنطن على فنزويلا، وما تبعها من اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو في كراكاس ونقله إلى الولايات المتحدة لمحاكمته، موجة انتقادات واسعة من نواب ديمقراطيين وصفوا مطامع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الثروات الفنزويلية بأنها عودة إلى «الإمبريالية العنيفة»، وذلك عقب إعلان ترامب أن بلاده ستضع فنزويلا تحت الوصاية وتستغل نفطها.
وفي تفاصيل العمليات التي راقبها ترامب من منتجع مارالاغو بفلوريدا في الثالث من يناير 2026، برفقة مدير المخابرات المركزية جون راتكليف، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ونائب كبير موظفي البيت الأبيض ستيفن ميلر، أكد الرئيس الأمريكي أن واشنطن «ستدير» فنزويلا بالتعاون مع نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز لا مع المعارضة الديمقراطية، معلنًا أن شركات أمريكية ستتولى استغلال نفط كراكاس التي تمتلك أكبر احتياطيات في العالم.
ودعا ترامب إلى وضع الدولة التي تضم 30 مليون نسمة تحت الوصاية، ولو مؤقتًا، رغم انتقاداته السابقة لإخفاقات بلاده في إدارة دول أخرى، مصرحًا في مؤتمر صحافي بفلوريدا: «سندير البلاد إلى أن نتمكن من إجراء انتقال آمن وسليم ومدروس للسلطة».
ولم يوضح ترامب آليات التنفيذ في دولة أُغلقت فيها السفارة الأمريكية، لكنه شدد على أن بلاده لا تخشى «إرسال قوات برية إذا لزم الأمر»، مشيرًا إلى تعيين «أشخاص مختلفين» لإدارة المرحلة، بما في ذلك «مجموعة» لم يحدد هويتها، لافتًا إلى أن فنزويلا و«لفترة من الزمن» ستُقاد من قِبل «الأشخاص الذين يقفون خلفي مباشرة»، في إشارة إلى وزير الخارجية ماركو روبيو ومسؤولين عسكريين. من جهته، أكد روبيو المعارض لقادة اليسار في أمريكا اللاتينية، أن معظم الدول الغربية تعتبر حكم مادورو غير شرعي بعد جولتي انتخابات عامة شابتها مخالفات. ومع إزاحة مادورو، بدد ترامب التوقعات بشأن خلافة زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو لها، رغم اعتبارها من قبل الغرب والحائزة على جائزة نوبل للسلام الممثلة الحقيقية للفنزويليين، حيث قال ترامب: «أعتقد أنه سيكون من الصعب للغاية عليها أن تكون القائدة، فهي لا تحظى بالدعم أو الاحترام داخل البلاد، إنها امرأة لطيفة للغاية، لكنها لا تحظى بالاحترام»، مؤكدًا أنه لم يتصل بها رغم تدوينها «حانت لحظة الحرية» عقب التوقيف.
وكشف ترامب عن محادثة أجراها وزير خارجيته مع نائبة الرئيس الفنزويلي ديلسي رودريغيز، الشخصية البارزة في الحركة اليسارية، واصفًا إياها بأنها «مستعدة أساسًا للقيام بما نعتقد أنه ضروري لجعل فنزويلا عظيمة مجددًا».
وبناءً عليه، أمرت الدائرة الدستورية في المحكمة العليا الفنزويلية بأن تتولى رودريغيز منصب القائم بأعمال الرئيس لضمان استمرار الإدارة والدفاع عن الأمة في مواجهة «الغياب القسري» للرئيس، بعد أن خلصت إلى أن «الرئيس الدستوري خُطف» خلال «عدوان عسكري أجنبي»، رغم أن رودريغيز كانت قد أعلنت سابقًا أن مادورو هو «الرئيس الوحيد» وطالبت بإطلاق سراحه.
وعلى الصعيد الميداني، أوضح ترامب أن قوات خاصة أمريكية قبضت على مادورو داخل أو قرب أحد منازله الآمنة في عملية «دراماتيكية» نفذت ليلاً وتسببت في انقطاع الكهرباء عن كراكاس. وأظهرت مقاطع فيديو مادورو مقيدًا ومقتادًا إلى سيارة مصفحة عقب إنزاله من الطائرة التي نقلته إلى نيويورك، حيث هبطت طائرة تلقه وزوجته سيليا فلوريس في مطار ستيوارت الدولي بشمال ولاية نيويورك، وكان في استقبالها أفراد من مكتب التحقيقات الاتحادي (FBI).
وأفاد مسؤول في وزارة العدل الأمريكية بأنه من المتوقع أن يمثل مادورو أمام محكمة مانهاتن الاتحادية يوم الاثنين لمواجهة تهم تشمل «التآمر في مجال المخدرات»، بينما تواجه زوجته تهمًا تتعلق بـ «التآمر لاستيراد الكوكايين»، ومن المتوقع احتجازهما في مركز احتجاز بمدينة بروكلين.
دوليًا، نأت معظم الدول الحليفة لواشنطن بنفسها عن مواقف ترامب، حيث دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى «انتقال ديمقراطي» بقيادة إدموندو غونزاليس أوروتيا. كما أعرب الخبير الدبلوماسي كيفن ويتاكر عن مفاجأته من تهميش ماتشادو، معتبرًا أن الإدارة تتخذ قرارات دون العودة للنتائج الديمقراطية. فيما رأت الباحثة إيريا بيوسا أن وصول رودريغيز للسلطة قد يحسن العلاقات مع واشنطن لكنه قد لا يغير واقع الفنزويليين.
ونددت الصين بالعملية ووصفتها بأنها «انتهاك واضح للقانون الدولي»، مطالبة بالإفراج الفوري عن مادورو وزوجته. كما وصفت روسيا ما جرى بـ «العدوان المسلح»، فيما دان الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل «الإرهاب الدولي» ضد الشعب الفنزويلي. ودعت كولومبيا وجنوب أفريقيا إلى اجتماعات طارئة في منظمة الدول الأمريكية ومجلس الأمن الدولي، معتبرين العملية انتهاكًا صارخًا لميثاق الأمم المتحدة، بينما دانت طهران «العدوان العسكري» الأمريكي.
وتشير التحليلات إلى ستة أسباب رئيسية دفعت ترامب لهذه الخطوة، أولها اعتبار مادورو «العدو رقم 1» في الأميركتين وجزءًا من «محور الاشتراكية»، وثانيها اتهامات «تهريب الكوكايين» ودعم العصابات. أما السبب الثالث فيتعلق بـ «النفط»، حيث زعم ترامب أن فنزويلا «سرقت» نفط واشنطن سابقًا، وتعهد بتعويض الشركات الأمريكية. ويتمثل السبب الرابع في «الهجرة» التي شكلت ضغطًا على برنامج ترامب الانتخابي، وخامسًا «الذهب» الفنزويلي الذي ساعد البلاد على الصمود، وأخيرًا «علاقات مادورو الخارجية» مع الصين وروسيا وإيران.
وختم ترامب وفريقه العمليات بتوجيه تحذيرات لزعماء آخرين في المنطقة، مؤكدين أن ما حدث في فنزويلا «هو مجرد بداية»، مع توجيه تهديدات مبطنة لرئيس كولومبيا غوستافو بيترو، وتحذيرات لكوبا بأنها قد تكون التالية، وسط قلق دولي من تجاهل الأعراف والقوانين الدولية والتحرك العسكري دون غطاء قانوني أو مظلة دولية.