الرد الإيراني جاء سريعًا، لكن على مستوى مختلف تمامًا، إذ استحضر السفير الإيراني تاريخ كورش. وكأن المواجهة لم تعد حول ما سيحدث اليوم، بل ما كان ذات يوم! وهذه مفارقة تستحق أن تُفكَّك بهدوء: كيف يلتقي تهديد بتدمير البنى التحتية وإفشال الدولة وإرسال الصواريخ مع رد يستدعي زمن الإمبراطوريات القديمة؟
ليس في استدعاء السفير لأمجاد كورش ما يعيب، فإيران كغيرها من دول المنطقة تمتلك رصيدًا حضاريًا لا يمكن إنكاره. لكن السؤال: هل يصلح هذا الرصيد ليكون ردًا على تهديد معاصر؟
في السياسة لا تُقاس الدول بما كانت عليه ذات يوم، بل بما تستطيع فعله الآن. وحين يكون التهديد منصبًا على القدرة – اقتصادًا، بنية تحتية، تماسكًا داخليًا – فإن الرد الفعّال يجب أن يكون بإظهار القدرة على المواجهة: ردع، تحالفات، وتوحيد لجبهة الداخل يقنع الخصم والمراقب بأن الكلفة لن تكون سهلة.
لكن ما حدث في هذا السجال يأخذنا إلى عدد من التساؤلات: هل الحضارة قوة حاضرة حية وفاعلة؟ وهل وجود الحضارة القديمة ضامن لبقاء الأمة؟
في الرد الإيراني نرى بوضوح استدعاء التاريخ، وكأنه يقول: حتى لو تضررنا الآن، نحن أبناء حضارة عظيمة.
والواقع أن التاريخ لا يمنح حصانة لأحد؛ بابل لم تنقذها عظمتها، وروما لم يشفع لها مجدها، وبلاد فارس ذاتها تعرضت للانكسار مرات متتالية رغم عمقها الحضاري.
المهم إذًا هو كيفية التعامل مع الحضارة لتكون منظومة قادرة على الاستمرار في إنتاج المعرفة والإدارة والقانون والاقتصاد. حين تتوقف هذه المنظومة، تتحول الحضارة إلى «رأسمال رمزي» يُستهلك في الخطابات ولا يُترجم إلى واقع. وهذا ما يفسر لنا لماذا تبدو بعض الدول ذات الحضارات القديمة، والمتاحف الممتلئة بآثار الأسلاف، عاجزة اليوم عن تحقيق الاستقرار أو النمو. فهي لم تفقد تاريخها بالطبع، لكنها لم تعد تُنتج شروطه في زمن مختلف.
إذًا فقد نقل السفير الإيراني السؤال من «ماذا نملك الآن؟» إلى «من كنا؟»، وهذا الانتقال يحمل دلالة تؤكد ما ذهب إليه التهديد، وكأنما يقول: نعم، إن مساحة حاضرنا ضئيلة، لكن ماضينا يملأ الفراغ الذي نعجز عن سده.
اللافت أن هذا النمط في الخطاب ليس حكرًا على إيران، بل يتكرر في مناطق عديدة تستخدم التاريخ كدرع معنوي لمواجهة واقعها المعقد. إلا أن هذا الدرع لا يرد الصواريخ، ولا يبني اقتصادًا، ولا يدير دولة حديثة، بل إنه قد يتحول إلى عبء نفسي على الأجيال التي تشعر بأنها تمشي إلى الوراء عندما تجد نفسها في مقارنة مستمرة بين مجد قديم وواقع متعثر.
«نحن سنبقى لأننا أصحاب حضارة» اعتقاد خاطئ آخر؛ فالحضارة لا تمنع السقوط، وفي أحيان كثيرة تجعله سقوطًا دراميًا. لو نظرنا إلى التاريخ لرأينا كيف سقطت حضارات وادي الرافدين، والفراعنة، والمايا، والإغريق، والرومان، ولم يبق منها سوى الأثر، لا النظام ولا الفكرة ولا الدولة ولا الإرث.
فارس نفسها التي استدعى سفيرها أمجاد كورش لم تبق ككيان متصل، بل تحولت وأُعيد تشكيلها عبر الزمن.
وبالمقابل نجد عددًا من المجتمعات لم تنحدر من حضارات قديمة، لكنها حافظت على تماسكها ولغتها وبنيتها الاجتماعية، فاستمرت عبر قرون، لم تسقط سقوطًا كاملًا ولم تندثر. لقد كان لديها ما هو أهم من الحضارة القديمة، وهو القدرة على «التكيف» مع متغيرات الزمن، وإعادة إنتاج وجودها مهما تغيرت ظروفها.